أنت تقرأ...
أنا ونفسي, اقتباسات وخواطر

اكتئاب رجل

جلس على عتبة منزله يفكر في هذه الرغبة الشديدة بالبكاء التي أصبحت تعتريه مؤخراً. عتبة البيت كانت مثلجة تحته، والهواء البارد يحاول اختراق كل فتحة صغيرة في ثيابه الرقيقة. ارتجف جسده، ليس فقط من برودة الطقس، بل من الصقيع الذي تراكم في ذهنه.


نظر للأعلى نحو بيته الكبير والجميل. البيت الذي حلم بكل تفاصيله لسنوات طويلة لم يعد يشعره بالحماسة أو السعادة. أصبح يراه مجرد جدران عالية خدعته، ولم يعد متأكداً إن كانت تحميه أم تسجنه. أحلام شبابه، تبدو له الآن جميعها ساذجة وتافهة. فهل الأحلام تفقد قيمتها حين تتحقق؟


جلس على عتبة بابه ينتظر زوجته، لأنه نسي مفتاحه في الداخل. حاول اختراق منزله بنفسه، لكنه لم ينجح ولعن نفسه وجنون ارتيابه، لأنه بنى حصناً لا يمكن لأحد اقتحامه حتى هو نفسه. وضع يديه على وجهه وضحك من فكرة أنه بنى منزلاً يشبهه، حصناً غير قابل للاختراق، خالياً من سكانه.
لم يتصل بزوجته ليخبرها أنه عالق خارج المنزل. مؤخراً أصبح يتجنب التواصل معها. أصبح لا يشعر بأي شيء أمام زوجته الفاتنة التي لم يتواصل مع أي امرأة غيرها في السنوات الخمس عشرة من زواجهم. هي ابتعدت عنه أيضاً بعد محاولات فاشلة قامت بها لتفهم ما به. لم تترك زوجته سبباً إلا وفكرت فيه، حتى أنها اتهمته مؤخراً أنه يحب غيرها. أضحكته هذه الفكرة، فكيف يمكن لرجلٍ فقد كل عاطفة وحماس وشغف أن يحب امرأة؟


بدأت زوجته مؤخراً جلسات علاج نفسي، يوم الثلاثاء من كل أسبوع، في الساعة السادسة. عندما تدخل المنزل في الساعة السابعة والنصف ينظر إليها نظرة فاحصة، فيرى عينيها المنتفختين ويكاد يجزم أنه يستطيع ان يتكهن ماذا كانت نصيحة معالجتها لها. هل نصحتها أن تعبر له عن غضبها؟ أو أن تسمعه وتحاول أن تفهم ما الذي يحصل معه؟ أو حتى أن تتجاهله، تكتفي بنفسها وتستقل عاطفياً عنه؟ كان يقول لنفسه أن زوجته على الأقل تستطيع أن تشارك إنساناً آخر، وهي قدرة فقدها ويفتقدها.


نظر مجدداً إلى بيته الجميل، حلمه الذي تحقق ومن أجله أنهك سنوات من عمره. تذكر تخيلاته السابقة، عن بيت دافئ يشعر فيه بالانتماء بين أفراد عائلته. تذكر أنه تخيل نفسه زوجاً وأباً جيداً، يملك القدرة والطاقة ليقوم بجميع واجباته تجاه عائلته. تخيلاته لم تتضمن بداخلها الإرهاق الشديد، الخوف على الأطفال، الإحساس بفقدان السيطرة وانزعاج زوجته منه. لم يتخيل أن الحياة سوف تحولهما إلى مجرد شريكين في مشروع مضنٍ من تربية الأطفال. لم تتضمن أسوأ كوابيسه أنه سوف يفقد أمه قبل عشر سنوات، وأن والده سوف يفقد ذاكرته في شيخوخته ولن يتذكره حتى. لم يتخيل كل هذا، وبالطبع لم يتخيل أنه سوف يصبح كائناً على وشك أن يبتلعه فراغ يشبه الثقب الأسود، ولا يشعر سوى بالذنب والفشل.


نظر من أحد شبابيك بيته للداخل، ولحظ الأثاث والأغراض المنتقاة بعناية. وجوده عالقاً خارج المنزل جعله يفكر “في النهاية أنا وحيد، لا شيء مما أملكه في الداخل ضمان بالنسبة لي. كل ما ظننته سابقاً الأمن والأمان يبدو لي الآن من الخارج مجرد خدعة خدعت بها نفسي، أنا لا أملك سوى نفسي، ولم يبق لي سوى مهاراتي في صراع البقاء”. نظر حوله وفكر بأن يكسر الشُّباك، لكنه لم يستطع أن يقنع نفسه بذلك. طوال حياته لم يبحث سوى عن الحلول المرتبة والهادئة والمتزنة، لذلك لا بد أن ينتظر زوجته، فلم يبق سوى ساعتين لعودتها مع الأولاد، وخلالهما يمكنه أن ينجز بعض العمل من هاتفه الذكي.


هب نسيم بارد اخترق ثيابه وجلده، جعله يسب نفسه وقدراته البائسة في صراع البقاء. وفي تلك اللحظة التي وقف فيها وحيداً، لا يملك شيئاً، ويشعر بالبرد، بدأ بالركض المجنون في الطريق المؤدية إلى ما وراء منزله، وقفز فوق السياج الذي يفصل بيته الجميل عن الأرض الوعرة خلفه. كانت تلك الأرض برية ووعرة جداً ومليئة بالأشواك، ولطالما منع نفسه التفكير في الكائنات التي تختبئ فيها، تماماً كما منع نفسه التفكير في أجزائه البرية والوعرة والمخيفة.

نظر للأسفل، واختار أكبر حجر استطاع حمله.


بسمة سعد

19.11.22

About Basma Saad

Clinical psychologist and artist

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

اضغط هنا لكي تتسجل للموقع وتحصل على المقالات الجديده مباشرةً لبريدك الالكتروني

انضمام 90 من المتابعين الآخرين

مرحباً

هنا في مدونتي الخاصة أكتب عن الصحة النفسية، ما يدعمها وما يعيقها. أحيانا أكتب من وجهة نظر مهنية، وفي أحيان أخرى أشارك في أفكار واراء شخصية. أعتبر مدونتي مساحتي الخاصة التي تمنحني كامل الحرية الفكرية. اسمي بسمة، وأنا أخصائية نفسية علاجية مع خبرة سنوات طويلة في التشخيص والعلاج النفسي. بالاضافة الى ذلك يشغل الفن والرسم حيزا كبيرا في عالمي النفسي والفكري، وأنا أرسم في الألوان المائية.
%d مدونون معجبون بهذه: