أنت تقرأ...
كتب وروايات

رواية “غرفة مع منظر”- مراجعة واقتباسات

لمتابعة المقالات الجديدة في علم النفس، الأدب والفن، تابعوني في الفيسبوك على صفحة الصحة النفسية وصفحة Basma’s psychology and art.

نبذل جهدا كبيرا في حياتنا في مسعانا لعيش حقيقة ذواتنا دون تزييف أو نفاق. نحن نريد أن نشارك بحقيقة مشاعرنا وأن ندلي بالرأي الذي نفكر به حقا، أمام مجتمع قد يتطلب منا التزييف مقابل أن يسمح لنا بالاندماج فيه.

هذا الصراع بين الفرد والمجتمع، أو بين الأنا والأخر، معروف منذ بداية التطور والحضارة، وكان للبشر مساع جمة لتسوية الصراع بمساعدة الأديان والقانون والفلسفة.

“غرفة مع منظر” (A Room with a View)‏ هي رواية من سنة 1908 للكاتب الإنجليزي “إي.إم. فورستر”، وهي تدور حول صراع “لوسي” ، امرأة شابة،  مع ثقافة الكبت والنفاق في انكلترا العصر الإدواردي. أحداث الرواية الرومانسية  تدور في إيطاليا وإنجلترا، وتوصل نقدا للمجتمع الإنجليزي في بداية القرن العشرين.  اقتبست الرواية في فيلم حائز على الأوسكار عام 1985. صنفت الرواية في المرتبة 79 على قائمه من أفضل مائة رواية مكتوبة بالإنجليزية من القرن العشرين.

درع الزيف مصنوع من الظلام، فهو لا يخبئ فقط الانسان عمن حوله، بل يخبئه عن ذاته.

من الصعب جدا، أو على الأقل أنا أجد أنه من الصعب جدا أن نفهم الناس الذين يتكلمون الحقيقة.

“الحياة ، كما كتب صديق لي، هي عرض تعزف فيه أمام جمهور على الكمان، عندما تكون جاهلاً تماما لتقنيات العزف لكنك تتعلمها خلال هذا العرض المباشر.“

الرواية جميلة ، وهي مليئة بالأفكار العميقة والفلسفية. هي ذات طابع رومانسي وشخصياتها مركبة وذات أوجه مختلفة. حتى الشخصيات “السلبية” تظهر في نهاية الرواية بشكل انساني نبيل، لتصور التعقيد في النفس البشرية والوجود المزدوج للخير والشر فيها. 

أنا علمته أن يثق بالحب. قلت له عندما يأتيك الحب، هو يريك الحقيقة. العاطفة لا تعمي، العاطفة هي الصحو. والمرأة التي تحبها هي الشخص الوحيد الذي سوف تفهمه يوما.”

 الرواية قصيرة (158 صفحة) وكنت أتمنى لو كانت أطول قليلا لتصف بعمق أكبر أسباب الرباط العاطفي الفوري والمفاجئ بين البطلة “لوسي” وحبيبها “جورج”. “جورج” تصرف في عدة مواقف بصبيانية وعدم نضوج، وكان يبدو أنه يكاد لا يملك الاحترام لعقل لوسي ولسلطتها على جسدها (كما ظهر في ثلاثة مواقف مختلفة حين قبَّلها عنوة وبشكل مفاجئ بدون رغبتها وقبل أن تكون متأكدة من عاطفتها تجاهه). فكرت كثيرا في هذه المواقف المشبوهة التي أثارت تحفظي وغضبي وحاولت أن أجد لها تحليلا وتبريرا. هل كانت هذه ترسبات من الحقبة التي عاش فيها الكاتب والتي لم تتسم بحقوق وحرية المرأة؟ أم أن هذه طريقة الكاتب ليجعل شخصية “جورج” عفوية وتلقائية وغير منافقة، لكي يعبر عن عاطفة حب كبير في مجتمع مكبوت موجود تحت ضغوط قوانين اجتماعية صارمة؟

لن أنكر أنني في تلك اللحظات كنت في صراع داخلي بين غضبي وعدم رغبتي في اكمال الرواية، وبين فضولي لأعرف ما الذي سوف يحصل لاحقا، لأنه لا بد أن هناك سببا جعل الرواية تصنف كواحدة من أفضل مئة رواية في القرن العشرين. 

أنا سعيدة بأن فضولي كسب الصراع، لأن غضبي لم يدم طويلا بعد أن ظهر في الرواية لاحقا حوار نسوي رائع، كدلالة على نضوج أبطالها. البطلة لوسي انتفضت وتحررت ، واستطاعت أن ترسم الحدود وأن تضع النقاط على الحروف. في المقابل، جورج استطاع أن يدرك نزعته للسيطرة والتملك، وكان يبدو أنه أيضا في طريقه  للنضوج. اليكم ترجمتي للنص النسوي الجميل، بقلم “إي.إم. فورستر” ومن فم أبطال الرواية “لوسي” و”جورج”:

حوار بين جورج ولوسي، عن خطوبة لوسي لسيسيل

جورج: سيسيل لا يدع امرأة تقرر عن نفسها.  إنه من النوع الذي أعاد أوروبا إلى الوراء ألف عام.  في كل لحظة من حياته يقوم بهيكلتك ، ويخبرك بما هو جميل أو ممتع أو مهذب ، ويخبرك بما يرغب فيه الرجل على أنه “أنوثة” ؛  وأنت من بين جميع النساء ، استمعتي إلى صوته بدلاً من صوتك.  لذلك عندما التقيت بكما مرة أخرى قررت أن أُحاربه وقمت بتقبيلك. أتمنى أن يكون لدي المزيد من ضبط النفس.  أنا لا أشعر بالخجل ولا أعتذر. لكن هذا أخافك ، ولهذا ربما لم تلاحظي أنني أحبك.  وإلا لماذا إذاً طلبت أن أذهب وتعاملت مع أمر هام كهذا باستخفاف؟  

 فكرت لوسي في ملاحظة جيدة جدا، وقالت:  “تقول ان سيسيل يريدني أن أنصاع إليه ، لكنك انت أيضاً يا سيد جورج أصبحت مثله”. 

استوعب جورج التوبيخ الذي مسه في الصميم وقال:  “نعم، كنت كذلك. أنا في القاع من نفس النوع الغاشم. هذه الرغبة في التحكم بالمرأة – إنها عميقة جدًا ، ويجب على الرجال والنساء محاربتها معًا.  لكني أحبك بالتأكيد بطريقة أفضل منه – حقًا بطريقة أفضل!  أريدك أن تكون لديك أفكارك الخاصة حتى عندما احتضنك بين ذراعي. لوسي ، كوني سريعة – ليس هناك وقت لنتحدث الآن – تعالي إلي الآن ، وبعد ذلك سأكون لطيفًا وأشرح لك.  أنا لا أستطيع العيش من دونك ، قلت لنفسي “لا فائدة لأنها سوف تتزوج من شخص آخر” ؛  لكني التقيت بك مرة أخرى عند البحيرة عندما كان العالم كله مياهًا رائعة وشمسًا.  عندما دخلتِ عبر الغابة أيقنت أنه لا شيء آخر مهم. استعدت رغبتي بالحياة وأردت أن أحظى بفرصة الفرح “.

رد لوسي على خطيبها سيسيل:

“تقول اني متعبه!”  ردت على الفور.  “هكذا أنت تماما. أنت تعتقد دائمًا أن المرأة لا تعني ما تقوله… عندما كنا أصدقاء فقط، سمحتَ لي أن أكون على طبيعتي ، لكنك الآن تقوم بإحاطتي دائمًا .  لا أريد أكون محاطة بعد اليوم!  سوف أختار بنفسي ما هو مهذب وصحيح.  إحاطتي إهانة بالنسبة لي.  ألا يمكن الوثوق بي وبقدرتي على مواجهة الحقيقة؟  هل يجب أن أحصل عليها فقط من خلالك؟  فعلاً “مكانة المرأة”! 

” إنها فكرتك القديمة التي أعادت أوروبا إلى الوراء –  فكرة أن النساء يفكرن دائمًا وفقط في الرجال.  إذا فسخت الفتاة خطوبتها ، يقول الجميع: “أوه ، لقد كان لديها شخص آخر؛  او انها تأمل في الحصول على شخص آخر. هذا مثير للاشمئزاز ووحشي.  وكأن الفتاة لا تستطيع فك ارتباطها فقط من أجل الحرية! “.

رواية “غرفة مع منظر” تستحق القراءة لما فيها من عمق وعاطفة نبيلة. تحفظي الوحيد على الرواية هو أنني لم أقتنع أن جورج يستحق فعلا حب لوسي وينقصني أن أتعرف عليه أكثر وعلى سبب مشاعر لوسي تجاهه. يقال أحيانا أنه من الصعب تفسير العاطفة بالكلام، لكنني أعتقد أن العاطفة التي تدخل حيز الوعي والتحليل والفهم تصبح أعمق وأقوى، وهذا ما كنت أرغب فيه لعلاقة لوسي وجورج، كي لا تصبح قصتهم شبيهة بقصص الأميرات والأمراء الضحلة في أفلام كرتون ديزني.

للمزيد من مقالات علم النفس، الأدب والفن، تابعوني في الفيسبوك على صفحة الصحة النفسية وصفحة Basma’s psychology and art.

بسمة سعد

أخصائية نفسية علاجية

About Basma Saad

Clinical psychologist and artist

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

اضغط هنا لكي تتسجل للموقع وتحصل على المقالات الجديده مباشرةً لبريدك الالكتروني

انضمام 88 من المتابعين الآخرين

مرحباً

هنا في مدونتي الخاصة أكتب عن الصحة النفسية، ما يدعمها وما يعيقها. أحيانا أكتب من وجهة نظر مهنية، وفي أحيان أخرى أشارك في أفكار واراء شخصية. أعتبر مدونتي مساحتي الخاصة التي تمنحني كامل الحرية الفكرية. اسمي بسمة، وأنا أخصائية نفسية علاجية مع خبرة سنوات طويلة في التشخيص والعلاج النفسي. بالاضافة الى ذلك يشغل الفن والرسم حيزا كبيرا في عالمي النفسي والفكري، وأنا أرسم في الألوان المائية.
%d مدونون معجبون بهذه: