أنت تقرأ...
انا وولدي

العلاجات غير الدوائية لاضطراب نقص التركيز وفرط الحركة- الجزء الأول: العلاج السايكودينامي

اضطراب نقص التركيز وفرط الحركة هو اضطراب نمائي-عصبي يظهر على شكل مستويات مرتفعة من عدم الانتباه ، عدم التنظيم ، و/أو فرط النشاط والاندفاع. للاضطراب تأثير كبير على حياة المصابين، ويسبب لهم ولمن حولهم معاناة كبيرة.

على الرغم من وجود إجماع على أن الأطفال المصابين باضطراب نقص التركيز وفرط الحركة يعانون من ضعف التنظيم العاطفي ومهارات التنظيم الحياتية، إلا أن هناك أيضًا وعيًا متزايدًا بأن اضطراب نقص التركيز وفرط الحركة ليس وضعاً تشخيصيًا موحدًا ، ولكنه يتضمن تنوعًا كبيرًا في العوارض. الصراع العاطفي ، الإهمال ، الحداد، الاكتئاب ، أو النمو مع أم مكتئبة بشدة أو غائبة ، يساهمون في ظهور أعراض مشابهة لأعراض تشخيص اضطراب نقص التركيز وفرط الحركة، لهذا السبب التشخيص الدقيق ضروري جداً.

الأعراض الأساسية المطلوبة لتشخيص اضطراب نقص التركيز وفرط الحركة هي نفسها في مرحلة المراهقة كما في الطفولة ، لكن نمط الأعراض والصعوبات قد يتغير نوعًا ما وفقاً للمرحلة العمرية. عند معظم المصابين باضطراب نقص التركيز وفرط الحركة ، تصبح أعراض فرط النشاط الحركي أقل وضوحًا في مرحلة المراهقة ، ولكن تستمر أعراض نفاذ الصبر، الهياج، عدم الانتباه وسوء التخطيط والاندفاع. بالإضافة إلى ذلك ، فإن الصعوبات التي يواجهها المراهقون نتيجة لأعراض الاضطراب (مثل الأداء المدرسي الضعيف) قد تتفاقم بسبب الطلبات والتوقعات المتزايدة للأداء المستقل.

بما أن الاضطراب متعدد التأثيرات والعوارض (العاطفية، العصبية، الحركية، اللغوية، التعليمية والاجتماعية) فإن العلاجات المتاحة للاضطراب متعددة، وكل واحد منها يستهدف جانباً للأداء ويركز عليه. هذا المقال بجزئيه سوف يشرح عن هذه العلاجات، من وجهات نظر ومدارس علاجية مختلفة. الجزء الأول من المقال سوف يركز على العلاج السايكودينامي لاضطراب نقص التركيز وفرط الحركة.

العلاج السايكودينامي لاضطراب نقص التركيز وفرط الحركة

غالبية العلاجات المتاحة لاضطراب نقص التركيز وفرط الحركة تركز على تحسين الأداء السلوكي والأكاديمي، لكن العلاج السايكودينامي يتميز بتركيزه على المعاناة والإحساس الداخلي للشخص/الطفل المصاب.

أظهرت دراسات التصوير العصبي (Neuroimaging) أن المراهقين المصابين باضطراب نقص التركيز وفرط الحركة يعانون من تأخر في نضج الفص الجبهي يؤدي إلى عجزهم في تصفية المحفزات في البيئة بحيث لا يمكنهم التركيز على شيء واحد فقط. إن الصعوبة التي يواجهها المصابين في اضطراب نقص التركيز وفرط الحركة في تنظيم أفكارهم وفهم ما يحدث يمكن أن تجعلهم غير قادرين على احتواء المشاعر القوية وبالتالي أكثر عرضة للإنفعال. غالبًا تطبيقهم غير الكافي أو السيئ للمهام التي تتطلب جهدًا مستدامًا يخبئ قلقًا من المهمة ، وقد يفسره الآخرون على أنه كسل وعدم مسؤولية وفشل في التعاون. نظرتهم الذاتية السلبية تساهم في افتقارهم الواضح إلى الدافع والتعاون ، وفي ردود أفعالهم الاندفاعية. غالباً ردود الفعل السلبية التي يتلقاها الأطفال والمراهقين المصابين باضطراب نقص التركيز وفرط الحركة تساهم في تذويت الصوت الداخلي الذي يعاقب وينتقد ويلوم، مما يجعل من الصعب للغاية احتواء الرغبات والمشاعر الشديدة. إن الهشاشة العاطفية لهؤلاء الأطفال وتذويتهم للصوت الداخلي النقدي للغاية يجعلهم يشعرون بتفاعلاتهم مع الآخرين (لا سيما تلك التي تنطوي على مشاركة المشاعر أو استكشافها) على أنها صعبة ومتعبة. العلاج السايكودينامي يتيح للمتعالج فرصة لاختبار العلاقات وإعادة تذويتها بشكل مختلف، مع تطوير الحس الداخلي المتعاطف، الوعي الذاتي والبصيرة.

أفكار الأطفال ذوي النشاط المفرط تكون جامحة بشكل كبير، وطريقة لعبهم وأنماط تفاعلهم تعكس حالات ذهنية غير منظمة ومفرطة في الإثارة. على الرغم من أنهم قادرون على الحفاظ على الانتباه إذا كان النشاط محفزًا بشكل كافٍ ، فإن اندفاعهم يؤثر على تفكيرهم ، وبالتالي قد ينتقلون من موضوع إلى آخر أو نشاط إلى آخر بدون أن تظهر علاقة بين المواضيع أو النشاطات. قد تبدو تحولاتهم المفاجئة أو عباراتهم العشوائية على أنها ناتجة عن الإثارة أو الاندفاع ، ولكن قد تكون ناجمة أيضًا عن القلق أو الانفعالات الكامنة التي لا يمكنهم احتوائها أو التعبير عنها بالكلمات. يجتهد العلاج السايكودينامي في البحث عن الرابط والعلاقة بين المواضيع او الانتقالات، حتى لو بدت عشوائية أو ليست ذي صلة. يفترض هذا العلاج أن أفكار مقلقة وغير واعية قد تكمن وراء الانتقالات المفاجئة، مما يجعل الشخص المصاب راغباً في قطع تسلسل أفكاره والهرب منها.

يصف الأطفال المصابين باضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة الشعور في أجسادهم بتعليقات مثل “جسدي يجبرني على الحركة” أو “عضلاتي تنفجر”. قد يشعر طفل كهذا بأن الجسم له قراراته الخاصة وهو يقف عاجزاً في وجهها (“ساقاي تفعلان ما تريدان”). العلاج السايكودينامي يضع أيضاً الجسد في المركز. بدايةً تتمركز التدخلات العلاجية حول وصف احساس الطفل الجسدي وشعوره بالعجز وعدم السيطرة، بطريقة تحرره من اللوم والانتقاد الذي اعتاد أن يسمعهم. بالمقابل يبدأ العلاج بتعزيز احساس الطفل بالملكية والسيطرة على جسده.

عند المراهقين المصابين باضطراب نقص التركيز وفرط الحركة ، غالبًا ما يتشوه الإحساس بالذات بسبب الآثار التراكمية للأعراض والاستجابات السلبية التي حصلوا عليها على مر السنين. يطور هؤلاء المراهقون هوية تتضمن العديد من المعتقدات، الوصمة والسمات السلبية لاضطراب نقص التركيز وفرط الحركة. غالبًا ما تضعف قدرتهم أيضاً على الحفاظ على تماسك الذات في لحظات الغضب والعدوان مع زيادة الضغوط من الآخرين، وتتركز أوصافهم الذاتية على مشاعر خيبة الأمل (من الذات والآخرين) وعدم الرضا عمّا حصل في المواقف التي فقدوا سيطرتهم بها. الفتيات المراهقات المصابات باضطراب نقص التركيز وفرط الحركة يبلغن عن شعورهن بعدم الكفاءة والاستخفاف بالنفس ، في حين أن الفتيان يظهرون زيادة في الغضب والإحباط. مع التقدم بالعمر يتمكن المراهقون من وصف فائض طاقتهم أو صعوباتهم في التحكم بشكل أفضل: “لا يمكنني التحكم في الطريقة التي يعمل بها عقلي.” وعلى الرغم من أن فرط النشاط يميل إلى الانخفاض خلال فترة المراهقة ، فقد يلاحظ المراهقون شعورًا داخليًا بالعصبية أو الأرق أو نفاد الصبر. بيئة العلاج السايكودينامي تتيح للعلاقة العلاجية أن تكون “بث حي ومباشر” لنظام العلاقات الذي يعيشه المراهق مع بيئته، ويتيح فرص متكررة للفشل والإصلاح في العلاقة، مما يساهم في بناء وتذويت منظومة علاقات صحية ومتينة. العلاقة العلاجية قد تكون الفرصة الوحيدة لبيئة آمنة يتم فيها اختبار علاقات من نوع آخر، تساعد المراهق على تغييره تصوره الذاتي السلبي وتحريره من غضبه على البيئة.

غالبًا ما تكون علاقات المراهقين المصابين باضطراب نقص التركيز وفرط الحركة غير متسقة ، وقد يصعب عليهم الحفاظ على التفاعلات الاجتماعية المتبادلة والمستمرة. غالبًا ما يتمحور المراهقون حول ذواتهم ويركزون في المقام الأول على ان يكونوا راضين، في حين أنهم يفتقرون إلى المعاملة بالمثل مع الآخرين. قد تكون بصيرتهم ضعيفة ، مع ميل إلى إسناد المسؤولية إلى الآخرين. تؤدي الصعوبة في فهم الإشارات الاجتماعية وتنظيم سلوكهم وفقاً لها إلى تفاعلات سلبية في المنزل والمدرسة، وقد تكون العلاقات الأسرية متضاربة. غالبًا ما تتعطل العلاقات بين الأقران بسبب نبذ، إهمال أو مضايقة الأقران لهم. قد يكون العلاج النفسي السايكودينامي حاسمًا في مساعدة المراهقين المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه على استقرار شعورهم بالذات وتنمية الشعور بالمسؤولية الشخصية وزيادة القدرة على التعاطف.

وصف لحالة علاجية

طلبت من طفلة رائعة وذكية في السابعة من عمرها أن ترسم لي شعورها في المدرسة، وهذا من ضمن سيرورة تشخيصها باضطراب نقص التركيز وفرط الحركة. بإذنها وإذن والديها أشارك معكم لوحتها، التي أعتقد أنها وصف عظيم ونادر لشعور طفل يعاني من هذا الاضطراب.

نرى في اللوحة طفلة تلبس تاجاً مزيَّناً ب”العيون”، ورأسها يتكون من قسمين. القسم العلوي لطفلة جميلة ومسرورة، والقسم السفلي لطفل ذكر يمد لسانه بشكل استفزازي. قلب الطفلة كبير لكنه مقيد، وأذناها كبيرتان جداً. من حولها الأسهم تشير إليها من جميع الاتجاهات، مع علامتا سؤال كبيرتان.

من تحليل مشترك للرسمة مع الطفلة، فهمت منها أنها تشعر بأنها “ترى وتسمع كل شيء”، اي أنها تصف أحساسها بعدم وجود “مصفاة” للمحفزات البيئية، لهذا السبب رسَمَت الأعين الكثيرة والأذنين الكبيرتين.

وصفت الطفلة أنها تريد أن تكون طفلة محبوبة ومقبولة كالنصف الأعلى من الرأس، وهي تشعر أحياناً أنها كذلك في بيتها وبرفقة عائلتها. لكنها في المدرسة تشعر غالباً أنها “سيئة” ومنتقدة وغير محبوبة، تماماً كالنصف السفلي من الرأس.

وصفت الطفلة مشاعرها الصعبة من الغضب والاحباط، وأنها تشعر بالمدرسة بالبلبلة وبأنها غير قادرة على مجاراة التوقعات والطلبات منها.

هذه الطفلة الصغيرة الرائعة تذكرنا بأنه خلف “السلوك السيء” والأداء غير المرضي هناك طفل يعاني، يحتاج جداً للبالغين من حوله ليساعدوه على فهم ما يحصل معه لكي يكبر مع فهم وتقدير ووعي لذاته.

بسمة سعد

أخصائية نفسية علاجية

About Basma Saad

Clinical psychologist and artist

مناقشة

رأي واحد حول “العلاجات غير الدوائية لاضطراب نقص التركيز وفرط الحركة- الجزء الأول: العلاج السايكودينامي

  1. .

    إعجاب

    Posted by غير معروف | 2022/11/05, 10:02 مساءً

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

اضغط هنا لكي تتسجل للموقع وتحصل على المقالات الجديده مباشرةً لبريدك الالكتروني

انضمام 90 من المتابعين الآخرين

مرحباً

هنا في مدونتي الخاصة أكتب عن الصحة النفسية، ما يدعمها وما يعيقها. أحيانا أكتب من وجهة نظر مهنية، وفي أحيان أخرى أشارك في أفكار واراء شخصية. أعتبر مدونتي مساحتي الخاصة التي تمنحني كامل الحرية الفكرية. اسمي بسمة، وأنا أخصائية نفسية علاجية مع خبرة سنوات طويلة في التشخيص والعلاج النفسي. بالاضافة الى ذلك يشغل الفن والرسم حيزا كبيرا في عالمي النفسي والفكري، وأنا أرسم في الألوان المائية.
%d مدونون معجبون بهذه: