أنت تقرأ...
فن ولوحات, أنا ونفسي, اقتباسات وخواطر

“حَبَيْتَك تَ نْسيت النَّوم”- عندما اجتمع الفن بعلم النفس



الفن بأنواعه، هو الوسيلة التي ابتكرها البشر من أجل مساعدتهم في حمل أثقال الوعي، والألم النفسي الذي يرافقه. هذا الألم هو ثمن التطور الذهني والإدراكي، ونحن ندفعه بأقساط مدى حياتنا. نجح الفن بتلطيف الألم وتنظيم الاندفاع الغريزي، وأصبح عبر السنين البلسم الذي بدونه ربما تتحول الحياة لألم لا يطاق. في هذا المقال أشارك بتحليلي لأغنية تعد مثالاً لقوة الفن وقدرته على التقاط العواطف المبهمة التي تسبح في أذهاننا دون القدرة على ادراكها. سؤالي هنا هو: كيف نجحت أغنية واحدة، “حبيتك تنسيت النوم”، بسبر أغوار أهم عاطفة بشرية، واكتشاف البعض من خفايا محيطاتها؟


لا يمكن لمجموعة العواطف المسماة “الحب” أن تكون مبسطة أو مفهومة، خصوصاً المكون الحسي والغريزي فيها الذي لا يبدو قابلاً للتصوير اللغوي أو التعبير الكلامي. خضع الحب على مر الزمن للتغير والتقلب في مفاهيمه وتقييمه، كالحب العذري الذي تنصل من المكون الغريزي، أو الحب الرومانسي الذي انكر وجود المكون العدواني. في المرحلة الحالية من تطور الوعي نجحنا أكثر بفهم المكونات المختلفة لوصفة الحب، وتيقنّا من وجود وصفة خاصة ومميزة لكل انسان، تحتوي نسب مختلفة من مركبات أساسية عامة.


في أغنية “حبيتك تنسيت النوم”، من كلمات الشاعر جوزيف حرب، ألحان زياد الرحباني وغناء فيروز، نجد حالة فريدة ومعقدة من الحب. صوت فيروز ولحن زياد الرحباني ينهضان بالكلام الفلسفي إلى قمم حسية وعاطفية غير مسبوقة. هذا العمل الفني هو إثبات إضافي على قدرة الفنّان على لمس الأعماق النفسية، ليأتي علم النفس لاحقاً ويضع لمساته العلمية.

حالة الحب التي تصفها الأغنية تصف التخبط الداخلي للعاشق القلق والغاضب، الذي فهم أن حبه لم ولن يخضع لرغباته بشكل مطلق. فهم هذا العاشق أن الحب الذي توقع منه أن يكون حالة أمان وسكون لم يكن كذلك، ووجد نفسه رهينة بين يدي من يحب، الذي يستطيع في أي لحظة أن يخيب ظنه. الأغنية تصف حالة العاشق الذي اكتشف أن حالة الاندماج والاكتفاء غير ممكنة في الحب، فظهرت في عتابه لمن يحب مشاعره الدفينة من القلق والغضب والألم.

سوف أقوم الآن بالتركيز على مقطعين رائعين، يصفان وجهين للحب قلّما تم وصفهما بهذه الدقة في أغنية: احساس الكره المرافق للحب، والخوف الشديد من فقدان الذات.


حبسي إنت، إنت حبسي وحرّيتي إنت

وإنتَ اللّي بكرهو واللّي بحبّو إنت

العاطفة الجميلة في الحب تشبه إحساس الحرية، الجمال العاطفي الناتج عن الاهتمام والرعاية والتميز، الذي يعيد ذكريات مخزونة من علاقة الحب المثالية بين الأم ورضيعها. لكن حالة الحب تصف أيضاً التعلّق بإنسان آخر، ليصبح مسؤولاً عن نسبة لا يستهان بها من الأداء والكيان النفسي لمحبوبه. أن نكون تحت رحمة انسان آخر ورغبته بالعطاء هو أيضاً عكس مفهوم الحرية، ليكون هو “الحبس” الذي يثير غضبنا وكرهنا. ميلاني كلاين كتبت كثيراً عن الحب والكره، ورأت أنه لا يمكن الفصل بينهما لتنشب معركة بين الحب والكراهية تستمر طيلة العمر. تقول ميلاني كلاين: “الحزن، الشعور بالذنب والقلق، هم جزء من العلاقة المعقدة مع من نحب. هناك حب مدفون تحت الكره، وكرهٌ يخفي حب”.


يا خوفي إبقى حبّك بالإيّام اللّي جاية

وإتهرّب من نسيانك ما إتطلّع بمراية

يصف فرويد أن حالة الفقدان بعد الحب والتعلق يمكن أن تتحول من الحداد الطبيعي إلى حالة من الكآبة (Melancholia). في الحداد الطبيعي يصبح العالم فارغاً وخالياً، أما في حالة الكآبة تتحول الذات نفسها إلى خالية وفارغة، ليشعر الشخص بأنه لا قيمة له، مُذل وغير قادر على أي انجاز. في هذه الحالة يرى الشخص نفسه كأنه مشوهاً، يوبخ نفسه ويشعر بأنه يستحق الطرد والعقاب. ما وصفه جوزيف حرب، لحنّه زياد الرحباني وغنته فيروز في هذا المقطع يعبر تماماً عن هذه الحالة، أي الخوف الشديد من عدم القدرة على الاستمرار وفقدان أي نظرة ايجابية للذات. حالة الخواء هذه، أي الدمار الشامل للأسس النفسية، هي فعلاً أكثر ما يخيف في حالات الفقدان. وكما قال فرويد : “نحن لا نكون أبداً ضعفاء وعُزَّل أمام المعاناة كما نكون حين نحب ، ولا نكون أبدًا حزينين، بلا حول ولا قوة، كما نكون حين نفقد من نحب او حبه لنا”.

لا يمكننا إنكار فكرة أن الحب هو العاطفة الأجمل والأرقى التي حفزت الخيال البشري على مر العصور. لكننا لا نحتاج التفكير كثيراً بالحب أو لتحليله، نحتاج أولاً أن نشعر به، وهنا يأتي دور الفن والموسيقى. لكن يتوجب أيضاً أن نعطه حقه، وأن نعي تأثيره العظيم علينا، لذلك لا بد من فهمه، وإدراكه والوعي لمركباته المختلفة.

بسمة سعد

About Basma Saad

Clinical psychologist and artist

مناقشة

4 آراء حول ““حَبَيْتَك تَ نْسيت النَّوم”- عندما اجتمع الفن بعلم النفس

  1. رب رميه من غير رام …. اكيد لا الكاتب ولا الملحن ولا المغني كانو دارسين علم نفس …رائعه يا سيده بسمه … انت رائعه

    إعجاب

    Posted by زياد | 2022/09/02, 6:15 صباحًا
  2. مقالة رائعة كما العادة

    إعجاب

    Posted by lewandberekat | 2022/09/18, 1:00 مساءً

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

اضغط هنا لكي تتسجل للموقع وتحصل على المقالات الجديده مباشرةً لبريدك الالكتروني

انضمام 88 من المتابعين الآخرين

مرحباً

هنا في مدونتي الخاصة أكتب عن الصحة النفسية، ما يدعمها وما يعيقها. أحيانا أكتب من وجهة نظر مهنية، وفي أحيان أخرى أشارك في أفكار واراء شخصية. أعتبر مدونتي مساحتي الخاصة التي تمنحني كامل الحرية الفكرية. اسمي بسمة، وأنا أخصائية نفسية علاجية مع خبرة سنوات طويلة في التشخيص والعلاج النفسي. بالاضافة الى ذلك يشغل الفن والرسم حيزا كبيرا في عالمي النفسي والفكري، وأنا أرسم في الألوان المائية.
%d مدونون معجبون بهذه: