أنت تقرأ...
أنا ونفسي, اقتباسات وخواطر

جلسة علاجية: الطبيبة الغاضبة (قصة قصيرة)

لمتابعة المقالات الجديدة في علم النفس، الأدب والفن، تابعوني في الفيسبوك على صفحة الصحة النفسية وصفحة Basma’s psychology and art.

دخلتِ العيادةَ شابةٌ في أواخر سنوات العشرين من عمرها، وجلستْ بتوتّر أمام الأخصّائيّة النّفسيّة.

بعد تعريف قصير عن نفسها، قالتْ إنّها أتتْ لتلَقِّي المساعدة للسّيطرة على مشاعر الغضب و الحقد الشّديدَيْن اللذين بدآ يسيطران عليها مؤخّراً.

“أحتاج أنْ تسمعيني دون مقاطعة من فضلكِ، أحتاج كثيراً أنْ أتكلّم, أنا غاضبة جدّاً على هذا العالم, و أصبحتُ لا أثقُ فيه و أجدُ صعوبة جمَّة في الاندماج. أصبحتُ أشعرُ أنّ كلّ ما فيه نفاقٌ و خداعٌ و لا توجد علاقات حقيقيّة و صادقة. أتعلمين؟ الوجه الحقيقي للبالغين و للعلاقات نراه في طفولتنا، لأنّ البالغين لا يبذلون الجهود نفسها في النّفاق أمام الأطفال. هل هناك شخص في حياتك يعاملك الآن بشكل لطيف و مُحبٍّ و مهذب، بينما في طفولتك كان قاسياً وقذراً؟ هكذا هو الأمر بشكل عام مع جميعنا، و نحن نتعلّم و نتيقّن من وجود النفاق والكذب بسبب الفجوة الكبيرة والفرق الشاسع بين تعامل البالغين معنا في الطفولة و في البلوغ.

وهذا هو بالضّبط ما يحصل معي، لأنّي لم أعدْ قادرة على مجاراة النّفاق، فتعتريني رغبة في الانفجار في وجه كلّ منافق يسكن ذكريات طفولتي بشكله القذر الحقيقيّ، بينما يحاول أنْ ينافق أمامي و لأجلي اليوم.

هؤلاء البالغون السّيِّئون كانتْ لهم أسباب مختلفة، لم أفهمها حين كنتُ طفلةً، لكنّي أفهمها اليوم. أتعلمين ما هو خطؤهم؟ إنّهم نسوا أنّ هذا الطفلَ الذي يسيئون معاملته اليوم سوف يكبر و يصبح بالغاً يحتقرهم و يعرف حقيقتهم. ما يؤلمني أنّي لا أريد أنْ أشارك في لعبة نفاق البالغين هذه، و أريدهم أنْ يعرفوا أنّي لم و لن أنسى! أريدهم أنْ يعرفوا أنّي أعرف وجههم الحقيقيّ البشع.

أعلم أنّي أتكلّم كثيراً و أشكرك لأجل الإصغاء. للمرّة الأولى أنا أتكلّم مع شخص من واجبه أنْ يسمعني دون أنْ أشعر بالذَّنْب أو الحرج، و دون أنْ اضطرّ إلى النّفاق.

أريد أنْ أخبركِ عن السّبب الأوّل الذي يجعل بالغاً يحتقر طفلاً و يقسو عليه. إنها الحسابات بين البالغين أنفسهم، كأنْ يكون الطّفل ابنَ أو قريبَ شخصٍ يكرهه هذا البالغ. قد تظهر الأمور عن طريق نظرة مخيفة يرتعد منها هذا الطّفل، أو عن طريق قَوْل أو فِعل أو إهانة تلتصق في ذاكرة الطّفل لتجعله يفهم أنّ باطن هذه الحياة ليس كظاهرها.

السّبب الثّاني هو العنصريّة. نعم سوف أقولها هكذا دون تجميل لأنّي لستُ مضطرّة أنْ أجَمِّل أمامَكِ الواقع. أنا طبيبة أطفال اليومَ. كنْتُ طفلة ذكية و هادئة تنتمي إلى الأقليّة من الدّين “العصفوريّ”، و أعيش في مدينة أكثريتها من الدّين “الزّهوريّ”… و كما تعلمين أنّ هذَيْن الدّينَيْن قد عانَيا من صراع طويل الأمد يفترض أنّه انتهى اليومَ. لكن لنَكُنْ واقعيّين! الصّراع التّاريخيّ لا يموت داخلَ الشّخصِ إلَّا إذا بذل مجهوداً واعياً ليتحررَ من غضبه و حزنه، و ربّما هذا ما أحاولُ أنْ أقومَ به اليومَ معكِ.

العلاقات بين البالغين من أديان مختلفة كانتْ تظهر غالباً طبيعيّة و لطيفة، لكن الحقد و العنصريّة و المشاعر الحقيقة كانتْ تظهر أمام الأطفال! ساعديني لأفهم أرجوك! هل البالغون واعون فعلاً إلى كونهم يلعبون لعبة “نفاق”؟ هل هم يتظاهرون أنّهم يصدِّق بعضُهم بعضَهم, لكنّهم في الحقيقة يشعرون بالعكس تماماً؟ أنا لا أفهم هذا, و لا أستطيع أنْ ألعب هذه اللعبة!

كما أخبرتكِ… كنتُ طالبة متفوّقة و هادئة. في الصّفّ الرّابع دخلتْ معلمةٌ الصّفّ للمرّة الأولى, و أنزلتْ عليّ مشاعر الكره دون سبب فصلاً دراسيّاً كاملاً, فكانتْ تهينني في كلّ مناسبة و تتّهمني بالغشّ بعض الأحيان. في الامتحان الفصليّ وضعتْني في زاوية الصَّفّ و وجهي نحو الحائط مع حقيبة تحجب رؤيتي من يميني و حقيبة أخرى تحجب رؤيتي من يساري. لهذا حين حصلتُ على العلامة الكاملة في الامتحان كانتْ قد أثبتتْ لنفسها أنّني فعلاً حصلتُ على العلامة بقدراتي دون غشّ.في الصّفّ السّادس قام معلّمٌ بتزوير إجابة في امتحاني ليخفّض علامتي كي لا أتفوّق على طالبة من دينه كنتُ و إيّاها في تنافس بهذه المسابقة. في الصّفّ التّاسع قالتْ لي معلمةٌ من ديني أنّها سوف تعاملني بقسوة واضحة كي لا يشعر أبناء الدّين الآخر أنّها تُخِصّني “بتعامل خاصّ” بما أنّنا من الدّين نفسه. في الصّفّ الحادي عشر قامتْ معلمةٌ بوضع علامة 79 بدل 97 في شهادتي كي لا أحظى بالمرتبة الأولى، و لم أنتبه للأمر إلَّا في البيت حينَ أحضرتْ أمّي الشّهادة، لكن الاحتفال كان قد انتهى وتوّجَتْ غيري في المرتبة الأولى!

هناك الكثير من الذّكريات، لكنّي سوف أكتفي بهذا لضيق الوقت، فأنا أريد أنْ أسمعكِ أيضاً.

أنا لا أرغب في النّفاق, وقد فقدتُ ثقتي بمَن حولي! كما أخبرتكِ اليوم, أنا طبيبة أطفال, و عندما يدخل إليّ طفلٌ صغيرٌ للعلاج تُؤرقني و تُغضبني فكرة أنّ هناك من لا ينظر إليه على أنّه مجرّد كائن هشّ و صغير. طبعاً القانون و الأخلاق المهنيّة تمنع أيّ طبيب من ارتكاب الأخطاء، لكنّي لا أحتاج القانون ليعلّمني الأخلاق و التّعاطف! ثمّ إنه توجد مجالات أخرى في الحياة غير الطّبّ، هناك المدرسة والجيران مثلا! لماذا الكُره والعُنصريّة والنِّفاق؟! “.

كان وجه الاخصائيّة النّفسيّة متعاطفاً، و قالتْ:

“مؤلم جدّاً ما وصفتِه، و أنا أفهم غضبكِ، و لكِ الشّرعيّة كلّها لتشعري بهذا. أنتِ أتيتِ إليّ اليومَ لاستشارة لمرّة واحدة، و أنا أعتقد أنّكِ لستِ في حاجة إلى علاج متواصل. سوف أختصر و أقول لكِ ما الذي سوف يساعدكِ بالسيطرة على غضبكِ. أوّلاً، تذّكري أنّ العلاقاتِ الإنسانيّةَ مركّبةٌ ممّا هو جيّد و سيّء، و السّيّء لن يختفي. يمكن أنْ نحاول تقليله لكنّه لن يختفي. كلّ مَن حولكِ أيضاً تعرَّض إلى سوء المعاملة و الصّدمات. أحد المحلّلين النّفسيّين ذكر أنّ الطّفولة هي المرحلة الحياتيّة التي نقضي بقيّة حياتنا في محاولة الشّفاء منها. المأساة التي تكلّمتْ عنها مشتركة للغالبيّة، و حتّى من أذوكِ تعرّضوا بأنفسهم للأذى. أنا لا أبرّر لهم، لأنّه كان بإمكانهم أنْ يكونوا مثلكِ و يقطعوا سلسلة الأذى و السّوء. حوّلي بعضاً من مشاعر الغضب التي تسكنكِ الى تعاطف، و انظري الى البشر من حولكِ ليس فقط ككائنات شرسة، بل ككائنات مسكينة تشعر بالرّعب الشّديد و تشعر بعدم الثقة وانعدام الأمان! أنا لا أطلب منكِ مسامحة من آذوكِ لأنّهم لا يستحقّون ذلكَ، لكن أريدكِ أنْ تتذكّري أنّ هناك عدداً أكبرَ ممَّن لم يؤذوكِ, و ربّما ساعدوكِ و أحبّوكِ، و هم ربّما يستحقّون الثقة. أنتِ حكمتِ على الجميع بالنّفاق بسبب تصرّف بعضهم، و لا أظنّ أنّ هذا دقيقٌ أو حكيمٌ. تعاملي مع كلّ شخص جديد بحذر و أعطيه فرصةَ أنْ يثبتَ أنّه أهل لثقتك… واستمرّي في كونكِ حقيقيّة و صادقة مع ذاتكِ و الآخرين! فأنا أشارككِ فكرة أنّ النّفاق هو مأساة إنسانيّة يجب علينا جميعاً التّغلُّب عليها”.

بدى الهدوء على الطّبيبة الشّابَّة، و بَنَتْ في داخلها استراتيجيّةَ الحياة و الاندماج دون فقدان الصّدق والمصداقيّة.

سألتِ المُعالجةُ سؤالاً قصيراً:

“هل قمتِ بالبحث و الاستقصاء لمعرفة انتمائي الدّينيّ قبل أنْ تتوّجهي إليّ؟”

تفاجأتِ الشّابّة من السّؤال و قالتْ:

“لا، أنا أثق في قُوَّةِ القانون و الأخلاق المهنيّة”.

قالتِ المُعالجة:

“نعم، نحن نحتاج فعلاً القانون، على الأقل في السّنوات القادمة التي سوف نعمل فيها على بناء الثّقة”.

بقلمي، 22.1.21

بسمة سعد

About Basma Saad

Clinical psychologist and artist

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

اضغط هنا لكي تتسجل للموقع وتحصل على المقالات الجديده مباشرةً لبريدك الالكتروني

انضمام 88 من المتابعين الآخرين

مرحباً

هنا في مدونتي الخاصة أكتب عن الصحة النفسية، ما يدعمها وما يعيقها. أحيانا أكتب من وجهة نظر مهنية، وفي أحيان أخرى أشارك في أفكار واراء شخصية. أعتبر مدونتي مساحتي الخاصة التي تمنحني كامل الحرية الفكرية. اسمي بسمة، وأنا أخصائية نفسية علاجية مع خبرة سنوات طويلة في التشخيص والعلاج النفسي. بالاضافة الى ذلك يشغل الفن والرسم حيزا كبيرا في عالمي النفسي والفكري، وأنا أرسم في الألوان المائية.
%d مدونون معجبون بهذه: