أنت تقرأ...
أنا ونفسي, اقتباسات وخواطر

ابتعادي عن وسائل التواصل الاجتماعي

لمتابعة المقالات الجديدة في علم النفس، الأدب والفن، تابعوني في الفيسبوك على صفحة الصحة النفسية وصفحة Basma’s psychology and art.

في منتصف شهر تموز أقفلت جميع حسابات وسائل التواصل الاجتماعي وقررت الابتعاد بشكل تام عن العالم الافتراضي. كانت خطوة حاسمة وحازمة، لا زلت لا أعلم ان كانت مؤقتة أو دائمة.

حين أقفلت حساباتي كنت قد وصلت الى مرحلة من الارهاق النفسي التي لم تسمح لي بالاستمرار في مواكبة العالم الافتراضي. بدأت أسمع الضجيج في رأسي الذي تراكمت فيه المعلومات والأحداث والمشاعر والصراعات. شعرت بأنني أغرق تحت وابل من التوقعات: توقعاتي من نفسي وتوقعات الاخرين مني.

كان استعمالي لوسائل التواصل يقتصر على نشر أفكاري ومقالاتي ولوحاتي. قلما استعملت هذه المساحة لنشر تفاصيل من وعن حياتي الشخصية. يهمني كثيرا أن تبقى حياتي الخاصة لي وحدي، وأحتاج جدا هدوئي ومساحتي الامنة. لطالما امنت أن الشبكة العنكبوتية هي وسيلة مفيدة جدا لنشر المعرفة ولتبادل الأفكار، وحتى وان كانت معظم الافكار والمعلومات فيها مشكوك بمصداقيتها وقيمتها، أنا على يقين أنها مليئة بكم هائل من العلم الذي استفدت منه لأبعد الحدود. بدأت أكتشف يوما بعد يوم أن أرقى أنواع الكرم في عصرنا الحديث هو كرم المشاركة في العلم والمعلومات. تماشيا مع هذه الفكرة أنا لا زلت موجودة هنا، في مدونتي، مع أن ارهاقي النفسي جعلني أقفلها أيضا لمدة شهر.

تجربتي في عالم التواصل الافتراضي لم تكن سيئة بشكل كامل. لقد تعرفت على شخصيات وعوالم واراء كثيرة فتحت افاقي وطورتني. بالاضافة الى ذلك معظم المتابعين غمروني بمشاعر التقدير والحب والعرفان بالجميل. لفترة طويلة كانت مساحتي الافتراضية مكانا لطيفا ووديا، حاولت فيه الاستجابة لجميع التوجهات الانسانية والمهنية. وصلتني خلال السنوات الخمس السابقة الاف التوجهات والأسئلة التي اجتهدت كثيرا في تلبيتها كنوع من العمل التطوعي الانساني. تعرفت على قصص مؤلمة ومأسي كثيرة جعلت عالمي يتسع أكثر بكثير من البقعة الجغرافية التي أعيش فيها. لم أعطي خدمات العلاج النفسي أونلاين، لكنني أعطيت الكثير من الارشاد الأولي لاستشارات من أشخاص كثر، ربما لم يبحثوا عن الأجوبة بقدر ما رغبوا بمن يسمعهم.

التوجهات كثرت بشكل كبير مما جعلني غير قادرة على تلبيتها لوحدي الى جانب عملي الذي احتل معظم ساعات يومي. أدركت أن العالم فقد فكرة “ساعات عمل” أو “ساعات المكتب المتاحة للتواصل” وكان ممكن أن تصلني رسائل وتوجهات في ساعات الليل المتأخرة مما أفقدني قدرة الانفصال عن العمل والاسترخاء. للأسف، هنا بدأت المشكلة، لأنه من مميزات العالم الافتراضي أنه يتيح المجال للتكهنات والاسقاطات والتفسيرات. بعض الأشخاص الذين لم أنجح بالوصول لتوجهاتهم أو لم استجب معها فورا بدأوا يكنون لي الضغينة، ومن حيث لا أدري بدأت ضدي حملات من التشهير وصلني من خلالها كلاما قاسيا أنا على يقين أنني لا أستحقه. .

في تلك اللحظة بدأت أنتبه للوجود الصارخ للغضب والعدوانية في وسائل التواصل. اكتشفت أنه على ما يبدو هذه الوسائل تعاني من مشكلة في التواصل، وكأن المهارات الاجتماعية تختفي منها. الاختلاف بالرأي والانتقاد والغضب هم مشاعر طبيعية وعادية، لكن المشكلة تكمن في طريقة التعبير والتواصل. كمية وحدة الصراع الموجود في التعليقات على كل خبر جعلتني أرغب بالابتعاد عن هذا العالم. العالم الحقيقي مليء أيضا بالصراع، لكن التواصل وجها لوجه لا زال يخضع لبعض من قوانين اللطافة والرقي في التعامل. يمكنني تشبيه التواصل في العالم الافتراضي بالصراع النفسي الذي وصفه فرويد في نظريته البنيوية، بين ال”هو” و”الأنا الأعلى” ، بينما “الأنا” فيها أضعف من أن يوفق بينهما. الصراع الدائر في وسائل التواصل هو بين الغرائز (الجنسية والعدوانية) والمبادئ أو الأخلاقيات الخاصة، لكن البعد عن العالم الواقعي يعطي “شخصية بديلة” ويزيل الحاجة للانضباط والمهارات الاجتماعية.

عندما قررت الابتعاد عن وسائل التواصل كان الأوان قد حان لأفكر بنفسي أولا، قبل أن يتحول الضغط النفسي الى أذى نفسي. حاليا لا أملك الخطة أو الأدوات اللازمة لأستطيع أن أدمج بين حياتي وعملي في العالمين، الافتراضي والحقيقي، ولا أعلم ان كنت سأجد هذه الأدوات مستقبلا.

الان أنا بخير. استرجعت التوازن في حياتي وأقضي وقت الحجر الصحي في القراءة والرسم. أحيانا أشعر بملل ووحدة لم أكن أشعر بهما حين كنت أتصفح الفيسبوك او الانستغرام، لكنني أظن أن الوحدة والملل هما محفز كبير للابداع على الرغم من الألم الكبير الذي يرافقهما. سوف أستمر بالكتابة هنا في مدونتي المتواضعة والهادئة، فربما هناك من سوف يجد سطوري ويرتاح للحظات قليلة من صخب العالم الافتراضي.

بسمة

About Basma Saad

Clinical psychologist and artist

مناقشة

4 آراء حول “ابتعادي عن وسائل التواصل الاجتماعي

  1. اشتقنالك يا بسمة، كوني بخير وهاد المهم ❤

    Liked by 1 person

    Posted by Ali Shaban | 2020/09/22, 11:06 مساءً
  2. التواصل الاجتماعي على النت لا يخضع لأي قوانين اجتماعيه او أخلاقية، ولا يوجد قواعد قانونيه تكفي لتنظيم التواصل، وما يمكن ولا يمكن كتابته أو عمله مما يجعل التواصل الاجتماعي مثل غابه بريه والنجاح للأقوى والاكثر فضاعه… مع اني احب ان اسمعك وأقرأ كل ما تكتبين، أنا أتفهم حاجتك للابتعاد مؤقتا أو دائما…المزيد من القوى والطاقه الايجابيه في كل ما تفعلينه، نحن نحبك اينما كنت

    Liked by 1 person

    Posted by ريما | 2020/09/23, 11:08 صباحًا

اترك تعليقًا على Basma إلغاء الرد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

اضغط هنا لكي تتسجل للموقع وتحصل على المقالات الجديده مباشرةً لبريدك الالكتروني

انضمام 88 من المتابعين الآخرين

مرحباً

هنا في مدونتي الخاصة أكتب عن الصحة النفسية، ما يدعمها وما يعيقها. أحيانا أكتب من وجهة نظر مهنية، وفي أحيان أخرى أشارك في أفكار واراء شخصية. أعتبر مدونتي مساحتي الخاصة التي تمنحني كامل الحرية الفكرية. اسمي بسمة، وأنا أخصائية نفسية علاجية مع خبرة سنوات طويلة في التشخيص والعلاج النفسي. بالاضافة الى ذلك يشغل الفن والرسم حيزا كبيرا في عالمي النفسي والفكري، وأنا أرسم في الألوان المائية.
%d مدونون معجبون بهذه: