أنت تقرأ...
كتب وروايات, أنا ونفسي, اقتباسات وخواطر

رواية “الطاعون” لألبير كامو- مراجعة، تحليل واقتباسات

لمتابعة المقالات الجديدة في علم النفس، الأدب والفن، تابعوني في الفيسبوك على صفحة الصحة النفسية وصفحة Basma’s psychology and art.

في ظل الوباء العالمي الذي نعيشه حالياً، قرأت رواية “الطاعون” لألبير كامو، التي أصبحت أكثر الروايات قراءة منذ تفشي الوباء في بداية سنة 2020. 

لم أُخفِ يوماً إعجابي الكبير بألبير كامو، وب”عبثيته” التي كان لها التأثير الأكبر في تطوري الفكري. لم أقرأ فقط ما كتبه، بل وقمت برسمه في نوع من التكريم الشخصي له. تتبعت التفاصيل الصغيرة في وجهه حين رسمتها بدقة وتأنٍ، وتذكرت كلماته التي يرافقني صداها بشكل يومي. ألبير كامو ناضل ليثبت عبثية الحياة حتى نفَسِهِ الأخير، في لحظة موته المبكر والمفاجئ والعبثي، في حادث سيارة اختار أن يركبها في اللحظة الأخيرة، بعد أن كان قد اشترى بطاقة القطار ووضعها في جيبه. 

من الصعب جداً اختصار “عبثية” ألبير كامو وشرحها ببساطة. بالنسبة لي هي تحوي الكثير من الجوانب والتطبيقات الحياتية. ألبير كامو أراد إثبات أن “الحياة تستحق أن تعاش” برغم كل ما فيها من ألم وبلبلة ولامنطقية. وهذا ما ناقشه بطريقته العبقرية في أطروحته “أسطورة سيزيف”. 

ألبير كامو أرادنا أن نعيش في منطقة وسطى بين قطبين يجب ألا نقترب منهما. القطب الأول فيه انهيار عاطفي وعدم القدرة على الاحتمال ينشأ منها رغبة كبيرة بالانتحار. والقطب الثاني هو الانفصال العاطفي واللامبالاة التي ينتج عنها فقدان تام للعاطفة والحس الإنساني، وتولد عدم التأثر بالمشاعر الايجابية أو السلبية وفقدان التعاطف والمسؤولية الإنسانية. عن القطب الأول (قتل النفس، الانتحار) كتب في “أسطورة سيزيف”، وعن القطب الثاني (قتل الآخر، الانفصال العاطفي) كتب في رواية “الغريب”. 

ألبير كامو انتقد الفلسفة الوجودية التي تعطي معنى وسبباً للأحداث وتقوم أحياناً بتبريرات غير مقنعة، واقترح أن الحياة “عبثية”، ليس لكل شيء سبب أو تفسير أو معنى، وأحياناً الأمور تحصل بدون منطق مقنع- كمرض طفل وعذابه وموته مثلاً (هذا الحدث كان نقطة فاصلة في رواية “الطاعون”). 

بين الواقعية والرمزية

حيت بدأت بقراءة الرواية، وربما بسبب الأوضاع الحالية التي نعيشها، وجدتها تحاكي الواقع الحالي وتعبر عنه، لتعطي ما أشعر به الشرعية وتصيغه بحروف وكلمات. دقة الوصف أثارت دهشتي، وهذا ليس مستغرباً لأنه حين كتب الرواية التي نشرت سنة 1947، قام كامو ببحث عميق عن تاريخ الأوبئة.

وصف كامو التأثير النفسي للحجر الصحي والبقاء في المنازل على النحو التالي (من النسخة العربية، ترجمة د.سهيل إدريس- التي تركت عندي تحفظات كبيرة من جودة الترجمة بعد مقارنتها بالنسخة الإنجليزية):

” وقد كان بوسع مواطنينا في ظروف أخرى أن يجدوا لهم مخرجاً في حياة أكثر خارجيةً ونشاطاً. ولكن الطاعون كان في الوقت نفسه يدعهم عاطلين، قاصرين حياتهم على أن يطوفوا في مدينتهم الكئيبة وأن يستسلموا يوماً بعد يوم للُعَب الذكرى الخبيثة. 

وهكذا كان أول ما حمله الطاعون لمواطنينا  هو النفي. فقد كان حقاً هو شعور النفي، هذا الفراغ الذي كنا نحمله أبداً في نفوسنا، هذا الانفعال الواضح، الرغبة الضالة في العودة إلى الوراء او بالعكس في استعجال سير الزمن، هذه السهام المحرقة، سهام الذاكرة. 

وإذ نحن هكذا نافذو الصبر من حاضرنا، أعداء لماضينا، محرومون من المستقبل، فإننا كنا نشبه أولئك الذين كانت العدالة أو البغضاء البشريان يجعلانهم يعيشون خلف القضبان الحديدية. وقد كانت الوسيلة الوحيدة للإفلات من هذه العطل التي لا تحتمل هي أخيراً في تسيير القطارات بالخيال من جديد، وملء الساعات بقرع مردّد لجرس يصر على الصمت.” 

وصف ايضاً  المدن التي أصبحت مدن أشباح، بشوارعها الخالية من أي حياة: 

” وإذ ذاك لم تكن حاضرة إلا مجموعة من المكعبات المتراكمة الجامدة، تحاول بينها تماثيل المحسنين المنسيين أو الرجال العظام القدامى -المختنقة أنفاسهم إلى الأبد في البرونز- أن توحي بوجوهها المستعارة من الحجر او الحديد صورة تالفة لما كان عليه الإنسان. كانت هذه الأصنام منتصبة تحت سماء كثيفة، في المفارق الميتة، وحوشاً لا تحس، تمثل تمثيلاً جيداً العهد الجامد الذي دخلناه، أو على الأقل شكله الأخير، شكل مقبرة خنق فيها الطاعون والحجر والليل كل صوت. “

واقعية الرواية ودقة تفاصيلها، جعلتني بدايةً أفقد قدرتي على فهم رمزيتها، أي رمزية ألبير كامو المعهودة التي تدخل إلى عمق المشاعر الانسانية. لكن بدأت ببطء أخرج من حيز الواقع لأدخل الحيز الرمزي، لأفهم أن الطاعون لم يكن سوى وسيلة ليتكلم من خلالها ألبير كامو عن “العبثية”- الرواية لا تتحدث عن الطاعون، بل عن العاطفة الإنسانية العميقة التي تستفيق في مواجهة الموت والفقدان والعجز والمصيبة. 

” هذا النوع من الحقيقة البديهية أو من المخاوف المبهمة هو الذي كان يعزز في نفوس مواطنينا شعور نفيهم وانفصالهم. 

إن المصائب الكبرى تُشعر دائماً بالرتابة إذ يمتد مداها. إن أيام الطاعون الرهيبة لم تكن تبدو في ذهن الذين عاشوها كألسنة لهيب باذخة وقاسية، وإنما تبدو كوطء شديد دائم يسحق كل شيء تحته. 

سيزيف الطبيب

تجسدت شخصية “سيزيف” في رواية “الطاعون” في الدكتور برنار ريو، الطبيب المتفاني الذي كان الصف الأمامي في مواجهة الطاعون في المدينة. فعلاً التشبيه عبقري: فالطبيب الذي يعالج مرضى الطاعون بأعدادهم الهائلة، ويخسر معركته دون توقف أمام الموت، دون ان يتملكه اليأس او الانهيار النفسي، هو مثل سيزيف الذي لا يكل او يمل من رفع صخرته مجدداً في كل مرة، ليسير بجهد كبير نحو القمة. 

” ـ لا أعرف من ذلك شيئاً يا تارو ، أقسم لك إني لا أعرف شيئاً . حين دخلت هذه المهنة ، فعلت ذلك بطريقة مجردة ، على نحو ما ، لأني كنت بحاجة اليها ، لأنها كانت مهنة كسائر المهن ، مهنة من المهن التي يفكر بها الشباب . وربما كان ذلك أيضاً لأنها كانت صعبة بصورة خاصة على ابن عامل مثلي . ثم إني رأيت الناس يموتون . أتعلم أن هناك أناساً يرفضون أن يموتوا ؟ هل سمعت في حياتك امرأة تصيح  “أبداً” ، في ساعة موتها ؟ أما أنا ، فقد سمعت . وأدركت إذ ذاك أنني لا أستطيع أن أتعوده . كنت حينذاك شاباً ، وكان اشمئزازي يحسب أنه يتوجه إلى نظام العالم نفسه . ومنذ ذلك الحين أصبحت أشد تواضعاً ، لم أتعود دائماً أن أرى الناس يموتون ، ولست أعرف أكثر من ذلك . . ولكن على كل حال . . . وسكت ريو وجلس . وشعر بجفاف في فمه . 

فقال تارو : – على كل حال ؟ 

فاستتلى الطبيب وهو لا يزال متردداً ، متطلعاً إلى تارو بتنبه : 

– على كل حال . . هذا شيء يستطيع رجل مثلك أن يفهمه ، ولكن لما كان نظام العالم محكماً بالموت فربما كان خيراً للإله ألا يؤمن به الناس ، وأن يكافحوا الموت بكل قواهم ، دون أن يرفعوا أعينهم إلى السماء حيث هو صامت . 

فقال تارو موافقاً : – نعم ، أستطيع أن أفهم . ولكن انتصاراتك ستكون دائماً مؤقتة . هذا كل شيء . 

فاكفهر وجه ريو . – دائماً ، أعرف ذلك . ولكن هذا لا يبرر وقف الصراع . – كلا . هذا لا يبرره . ولكني أتصور إذن ما عساه يكون هذا الطاعون في نظرك؟ 

قال ريو : -هزيمة لا تنتهي. 

-من علمك كل هذا يا دكتور؟ 

-البؤس. “

*****

قال رامبير: – هذه الأسطوانة ليست طريفة , ثم إني سمعتها اليوم للمرة العاشرة . 

– أتحبها إلى هذا الحد؟

– لا ، ولكني لا أملك سواها . إني أقول لكم إن الأمر يتلخص في البدء من جديد كل مرة. “

الحب

فقدان من نحب هو الأزمة النفسية الأكبر، التي تجعلنا نقف وجهاً لوجه أمام عبثية الحياة. الألم الكبير الذي يفوق قدرة الاحتمال قد يتلاشى مع مرور الوقت، لكن تتلاشى معه جميع أنواع العاطفة، ليصبح الإنسان باهتاً فاقداً للحيوية والحياة. 

إذا كان الفراق الفراق هو أشد آلام تلك الحقبة وأعمقها، وإذا كان من الضروري إيراد وصف جديد له في هذه المرحلة من الطاعون، فمما لا يقل عن ذلك حقيقةً إن هذا الألم نفسه أخذ يفقد من تأثيره في النفس وتحريكه للعاطفة. “

“وينبغي أن نعترف بأن الطاعون قد انتزع من الجميع القدرة على الحب، بل حتى على الصداقة. ذلك أن الحب يتطلب شيئاً من مستقبل، ولم يكن باقياً لنا بعد إلا اللحظات.”

” وكان يعرف ما كانت تفكر به أمه لحظتذاك وأنها تحبه. ولكنه كان يعرف كذلك أنه ليس أمراً كبيراً أن يحب أحدنا كائناً، او أن حباً ما على الأقل تنقصه دائماً القوة ليجد التعبير الذاتي عن نفسه. وهكذا سيظل هو وأمه يتحابان دائماً في الصمت. وسوف تموت بدورها. أو هو، دون أن يتمكنا طوال حياتهما من أن يمضيا إلى أبعد من ذلك في البوح بحنانهما. بالطريقة نفسها كان قد عاش بالقرب من تارو، وقد مات تارو ذلك المساء دون أن يتاح لصداقتهما حقاً أت تُعاش. لقد خسر تارو المعركة كما كان يقول، ولكن هو، ريو، ماذا تراه قد ربح؟ لقد ربح فقط أنه عرف الطاعون وأنه يتذكره، أنه عرف الصداقة وأنه يتذكرها وأنه عرف الحنان وأنه لا بد أن يتذكره يوماً. إن كل ما يستطيع الإنسان أن يربحه في معركة الطاعون والحياة هو المعرفة والتذكر. ولعل هذا هو ما كان تارو يعنيه بربح المعركة. 

ولكن إن كان هذا هو ربح المعركة، فما اقسى أن يعيش الإنسان فقط مع ما يعرف وما يتذكر، محروماً مما يرجو ويأمل! لا ريب أن تارو قد عاش كذلك، وكان مدركاً عقم حياةٍ لا أوهام فيها ولا آمال. ليس هناك من سلام دون أمل، وإن تارو الذي كان ينكر على الناس حقهم في إصدار الحكم، والذي كان يعرف مع ذلك أن أحداً لم يكن يستطع الامتناع عن إصدار الحكم فعلاً، وان الضحايا ربما كانوا أحياناً هم الجلادين، أن تارو هذا قد عاش في التناقض والتمزق،  ولم يكن يعرف الأمل قط. أتراه من أجل هذا كان يلتمس أن يكون قديساً، وكان يبحث عن السلام في خدمة الناس؟ إن ريو لا يعرف في الحق شيئاً من ذلك. إنه سيحتفظ من صور تارو بتلك التي تمثل رجلاً يأخذ مقود سيارته بملء يديه ليقودها، أو بتلك التي تمثل ذلك الجسم الكثيف الممدد الآن بلا حراك. حرارة حياة وصوت موت، تلك هي المعرفة.” 

العمل

يفقد معظم البشر القدرة على العمل في زمن الأوبئة والحجر الصحي. تذكرني فكرة كامو عن أهمية الحب والعمل بتصريح مماثل لفرويد، عن القدرة على الحب والعمل كأسس مركزية للصحة النفسية. 

“أما وقد صودرت الملاعب الآن، فإن اللعب متعذر، وان غونزاليس (لاعب كرة القدم) ليشعر ويبدو عليه  أن لا عمل له. وهذا أحد الأسباب التي من أجلها قبل هذه مراقبة مخيم المحجورين. 

وقد سجل تارو كذلك ان لاعب الكرة لم ينِ طوال الطريق عبر شوارع الضاحية، يضرب الحصى التي يلقاها بقدميه. وكان يحاول أن يرسلها مستقيمة إلى أفواه البواليع فإذا أدرك هدفه قال: “إصابة مقابل صفر”… وكان ثمة أولاد يلعبون بالقرب من الملعب، فأرسلوا كرة نحو الجمع الذي كان ماراً آنذاك، فاذا بغونزاليس يتركهم ليرد الكرة بدقة. “

القدرة على العمل والوفاء والتفاني فيه، ضمن مهمات يومية روتينية يتعلمها المختص فيها ليصل حد الإتقان. الأهمية لا تكمن في قيمة العمل في التدرج النرجسي الذي يبنيه المجتمع، بل في التفاني فيه وإتقانه وتحمل مسؤوليته- هذا هو الشرف، وفقاً لكامو. 

“ونهض ريو وقد بدا عليه إعياء مفاجئ : – أنت على حق يا رامبير ، على حق تام . وليس بودي على الإطلاق أن أصرفك عما تنوي أن تعمله ، وهو يبدو لي عادلا وجيداً ، ولكن ينبغي أن أقول لك : ليست القضية في هذا كله قضية بطولة ، وإنما هي قضية شرف , ولعل هذه فكرة تبعث على الضحك ، ولكن الطريقة الوحيدة لمحاربة الطاعون هي الشرف . 

قال رامبير بلهجة رصينة : – وما هو الشرف؟

 ـ لا أدري ما هو على العموم . ولكن أعلم أنه ، في مثل وضعي، يتلخص في أن أقوم بمهنتي. “

التجاوب مع الأزمة والصدمة: الانفصال العاطفي والعنف

يصف كامو الاستجابة مع الأزمة بعدم الاكتراث والخمول النفسي والعاطفي من جهة، وبالعنف والقتل من جهة أخرى. 

وكان معظم المحجور عليهم منتثرين على المقاعد، بينما كان البعض الآخر يتيهون في أطراف الميدان…

سأل تارو رامبير: 

-ماذا يفعلون في النهار؟

-لا شيء.

والحق أن معظمهم كانوا مبسوطي الأذرعة فارغي الأيدي. لقد كانت هذه المجموعة من الناس على صمت عجيب. 

قال رامبير: 

-في الأيام الأولى كان الجميع يتحدثون حتى لا يسمع بعضهم بعضاً. ولكن حديثهم كان يتلاشى ما مرت الأيام. 

لم يبق لأحد عندنا عواطف كبيرة، ولكن الجميع كانوا يستشعرون عواطف راتبة. 

لقد التزم مواطنونا الخطر، و”تأقلموا” كما يقال، لأنهم لم يكونوا يملكون أن يفعلوا غير ذلك. كانوا بالطبع لا يزالون يحتفظون بطابع المصيبة والعذاب، ولكنهم لم يكونوا يشعرون بعد وخزه. غير أن الدكتور ريو كان مثلاً يرى أن هذه هي المصيبة حقاً، وإن عادة اليأس أسوأ من اليأس نفسه. 

لقد فقدوا الذاكرة والأمل، فعاشوا في الحاضر. 

ولكن قد يسأل سائل: ما كان يبدو على هؤلاء المفترقين؟ إن الجواب سهل: لم يكن يبدو عليهم شيء. أو، إذا كنتم تفضلون، كان يبدو عليهم ما يبدو على جميع الناس، هيىة عامة كلياً. 

وإذ ذاك اكتشف ريو وأصدقاؤه إلى أي حد كانوا متعبين. والواقع أن رجال التشكيلات الصحية باتوا لا يهضمون هذا التعب. وقد لاحظ الدكتور ريو ذلك وهو يتأمل لامبالاة غريبة تعتريه وأصدقاءه تدريجياً. فإن هؤلاء الرجال الذين أظهروا حتى الآن هذا الاهتمام البالغ بجميع الأنباء التي تتعلق بالطاعون باتوا لا يحفلون بها على الإطلاق. 

أما العنف والقتل ظهر في محاولات أبناء المدينة المحجورة بالهروب وصراعهم مع السلطات، كما ظهر أيضاً في تجاوب تاجر اسمه كوتارد ، الذي استفاد من وجود الطاعون، حين بدأ بإطلاق النار على المارة الأبرياء بعد نهاية الأزمة وفتح المدينة. 

أحيانا قد يكون التجاوب أيضاً في الاتجاه المعاكس، ليغير شخصاً قاسياً لا تبدو عليه أي عاطفة، ويصبح ضعيفاً وهشاً ومتألماً. المثال على ذلك كانت شخصية القاضي “أوتون”، بعد وفاة ابنه الصغير من جراء الطاعون. 

“قال القاضي: آمل ألا يكون فيليب قد تألم كثيراً. 

وتلك كانت المرة الأولى التي سمعه فيها تارو ينطق باسم ابنه، فأدرك أن شيئاً ما قد تغير. 

قال تارو: كلا، إنه لم يتألم ألماً حقيقياً، كلا. 

وتمتم تارو وهو يجتاز الأبواب: 

-مسكين ذلك القاضي. ينبغي أن نعمل شيئاً من أجله. ولكن كيف السبيل إلى مساعدة قاضٍ؟ “

الدين والعلم – الكاهن والطبيب

شخصية هامة في الرواية كانت شخصية الكاهن بانلو، الذي جرت نقاشات صعبة بينه وبين الطبيب ريو. 

يظهر في بداية الرواية الكاهن بانلو بمظهر رجل الدين القاسي الذي يتهم سكان المدينة بظهور الطاعون، لأنهم لم يكونوا متدينين بالقدر الكافي ولم يحضروا قداس الأحد. 

الطبيب ريو يرفض هذا التفسير، لأنه ببساطة لا أحد مذنب في ظهور الطاعون، فهو حدث عبثي. 

في نهاية نقاش ثاقب بين الكاهن بانلو والطبيب ريو، يقول له ريو: 

“نحن نعمل معاً من أجل شيء يجمعنا خلف حدود التجديفات والصلوات. إن هذا هو وحده الهام. “

يظهر التغيير الكبير في شخصية الأب بانلو بعد حضوره احتضار مؤلم ومليء بالعذاب لطفل

صغير أصيب بالطاعون. عظة الأحد التي لحقت هذا الحدث كانت مختلفة، تحتوي التواضع والتعاطف. 

“ورأى الأب يرقى المنبر، ثم يتحدث بصوت أرق وأهدأ من المرة الأولى، وقد لاحظ الحضور غير مرة بعض التردد في خطابه. والغريب أنه كف عن أن يقول “أنتم” وأخذ يقول “نحن”. “

إذاً ما هو رأي الدكتور ريو بالدين والقداسة؟ يظهر هذا في نقاش له مع “تارو”، شخصية مركزية في الرواية:

“قال تارو ببساطة: 

-إن ما يهمني بالإجمال هو أن أعرف كيف يصبح الإنسان قديساً. 

-ولكنك لا تؤمن بالله. 

-من أجل ذلك أسأل سؤالي. هل في وسع الإنسان أن يكون قديساً من غير الله؟ تلك هي القضية الوحيدة المحسوسة التي أعرفها اليوم. 

-أنا أستشعر مع المقهورين حظاً من التضامن أكبر مما أستشعر مع القديسين. وأحسب أني لا أحب البطولة ولا القداسة. إن الذي يهمني أن يكون المرء إنساناً. “

إلى ماذا يرمز “الطاعون” في رواية ألبير كامو؟

أعتقد أن الطاعون في رواية ألبير كامو يرمز إلى “الطاعون النفسي”، تلك الحالة العاطفية من العجز والركود، المليئة بالألم والتي ينقصها الأمل. الحالة التي يفقد فيها الإنسان طابعه الإنساني وتقديره لحياته وحياة غيره. الطاعون هو فقدان الحياة بمعناه النفسي، أي عدم الرغبة بالحياة (الاستسلام والانتحار) وسرقتها من الآخرين (القتل والإعدام). 

يأخذ النقاش حول الإعدام حيزاً واسعاً، في حديث للدكتور ريو مع “تارو”: 

“ولكن الحكم بالإعدام هو ما كان يهمني. كنت أريد أن أصفي حساباً بيني وبين البومة الحمراء. من أجل ذلك اشتغلت بالسياسة كما يقولون. كل ما في الأمر أني لم أشأ أن أصاب بالطاعون. لقد حسبت أن المجتمع الذي كنت أعيش فيه هو الذي يقوم على الحكم بالإعدام وأنني إذا أحاربه أحارب القتل. 

وكنت أعرف بالطبع أننا كنا نحن أيضاً نلفظ بعض أحكام الاعدام في المناسبات. ولكن كان يقال لي أن هذه الميتات كانت ضرورية لتحقيق عالم لن يقتل فيه أحد بعد أبداً. 

حتي اليوم الذي شاهدت فيه حكم بالإعدام (وكان ذلك في هنغاريا) فاعتراني، وأنا رجل، الدوار نفسه الذي اعتراني، إذ كنت صبياً. 

أتعرف أن مطلقي النار من هذه المسافة يركزون فوهات بنادقهم على منطقة القلب، وأنهم يحدثون جميعهم برصاصاتهم الكبيرة ثقباً تدخل فيه قبضة يد؟ كلا، إنك لا تعرف ذلك، لأن هذه تفاصيل لا يتحدثون عنها. إن نوم الناس أكثر قدسية من الحياة بالنسبة للمطعونين. ينبغي ألا يُمنع الناس الطيبون من النوم. فإن ذلك يتطلب ذوقاً رديئاً، والذوق هو في عدم الالحاح. وكل الناس يعرفون ذلك. أما أنا فقد أرقت منذ ذلك الحين، وقد بقي الذوق الرديء في فمي، فلم أنقطع عن الإلحاح، أي عن التفكير فيه. 

وأدركت إذ ذاك أنني لم أنقطع يوماً عن أن أكون مصاباً بالطاعون طوال هذه السنوات التي كنت أعتقد من أعماق روحي أني أصارع فيها الطاعون بالذات. لقد علمت أني وافقت على موت الآلاف من الرجال، بل أني سببت هذا الموت إذ وجدت الأعمال والمبادئ التي أفضت بالقوة إليه صالحة. ولم يبد إذ ذاك قد أزعج الآخرين، أو أنهم لم يكونوا يتحدثون تلقائياً بشأنه على الأقل. اما أنا فكان حلقي معقوداً. كنت معهم وكنت مع ذلك وحدي. وإذا اتفق لي أن أعبر عن وساوسي، كانوا يقولون لي إن من الواجب التفكير بما كان يدخل في الأمر، ويقدمون لي حججاً مؤثرة غالباً ليجعلوني أبتلع ما لم أكن أنجح في ابتلاعه. ولكني كنت أجيب أن لكبار المصابين بالطاعون، أولئك الذين كانوا يرتدون أثواباً حمراء، حججاً ممتازة في تلك الأحوال…

أجل يا ريو، إنه لشاق جداً أن يكون أحدنا مصاباً بالطاعون. ولكن أشق من ذلك ألا يريد أن يكونه. من أجل هذا، يبدو جميع الناس متعبين، لأن جميع الناس مصابون قليلاً بالطاعون. ولكن من أجل ذلك ترى بعض الذين لا يريدون أن يكونوا هكذا يعانون تعباً مفرطاً لن يحررهم منه إلا الموت. 

تنقصني ميزة ضرورية لأكون قاتلاً عاقلاً. فليست هي إذن عنصر تفوق. ولكني الآن أوافق على أن اكون ما أنا حقاً. لقد تعلمت التواضع. وأقول فقط إن على هذه الأرض أوبئة وضحايا، وإنه يجب على المرء أن يرفض، ما وسعه ذلك، أن يكون مع الوباء. 

تحرك الطبيب في مجلسه قليلاً وسأل تارو عما إذا كانت لديه فكرة عن الطريق الذي ينبغي سلوكه للوصول إلى السلام… 

-نعم، المودّة. ” 

الإنكار، النسيان والاستمرار

كيف يمكن للبشر الاستمرار بعد المصائب الكبيرة؟ هل يتجاهلون كل ما حصل وينسون؟ هل يبقون عالقين في الألم والصدمة؟ هل هناك مكان وسطي يمكنهم من الحفاظ على الذاكرة والعاطفة، والاستمرار أيضاً؟ 

” أما الآن، فهو يريد أن يعمل ما كان يعمله جميع الذين يبدو أنهم واثقون من أن الطاعون يمكنه أن يأتي ويذهب دون أن تتغير من جراء ذلك قلوب الناس. 

ذلك أن هؤلاء الأزواج المسحورين، المشدودين بقوة، البخلاء بالكلمات، كانوا يؤكدون وسط ذلك الصخب بكل ما كانت تنطوي عليه السعادة من انتصار وظلم. إن الطاعون قد انتهى وإن عهد الارهاب قد انقضى. كانوا ينكرون بكل هدوء، في وجه كل بديهية، أن نكون قد عرفنا يوماً هذا العالم المجنون الذي يبدو فيه قتل إنسان أمراً طبيعياً وعادياً كقتل الذباب، كما كانوا ينكرون هذه الوحشية المحددة جيداً، وهذا الهذيان المحسوب، وهذا السجن الذي كان يحمل معه حرية فظيعة تجاه كل ما لم يكن الحاضر، ورائحة الموت تلك التي كانت تشل بالدهشة جميع الذين لم تكن تقتلهم، وكانوا ينكرون أخيراً أننا كنا ذلك الشعب المذهول الذي كان قسم منه يركم كل يوم في فوهة فرن فيتبخر دخاناً كثيفاً، بينما يظل القسم الآخر مقيداً بسلاسل العجز والخوف يترقب دوره. “

“وارتفعت من الميناء المظلمة الصواريخ الأولى للاحتفالات الرسمية. فحيتها المدينة بصرخات طويلة صماء. لقد نُسي كوتار وتارو وجميع الرجال والنساء الذين أحبهم ريو وفقدهم أمواتاً أو مجرمين، جميعهم قد نُسيوا. لقد كان الشيخ على حق، فإن الناس هم هم لا يتغيرون. ولكن في ذلك تكمن قوتهم وبراءتهم، ومن هذه الزاوية كان ريو يشعر أنه ينضم إليهم، من فوق كل ألم. وفي وسط الصراخ الذي كان يزداد قوة وامتداداً وينتشر حتى السطيحة، وبينما كانت حزمات النور المتعددة الألوان ترتفع في السماء، عزم الدكتور ريو على أن يكتب القصة التي تنتهي هنا، كي لا يكون من أولئك الذين يصمتون، وليشهد في صالح هؤلاء المصابين بالطاعون، وليترك على الأقل ذكرى الظلم والعنف الذين تكبدهما. وليقول بكل بساطة ما يتعلمه الناس في أثناء الأوبئة، وأن ما يستحق الإعجاب والتمجيد في البشر أكثر مما يستحق الاحتقار والرزاية.” 

في ظل هذا العمق الفكري وقسوة المأساة الإنسانية، يظهر كامو بفكره “الروقاني” أيضا، ويربط الاستمرار في المهام اليومية الصغيرة والممتعة: 

” أتعرف ما ينبغي لنا ان نعمل من أجل الصداقة؟ 

فقال ريو: -ما تراه؟ 

-الاستحمام في البحر. إه هذه لمتعة جديرة، حتى بالنسبة لرجل سيصبح قديساً. 

كان ريو يبتسم. 

-إن الإذن بالمرور الذي نملكه يسمح لنا بالذهاب إلى الشاطئ. إن من البلادة الحمقاء ألا يعيش الإنسان، آخر الأمر، إلا في الطاعون. صحيح أن على الإنسان أن يقاتل دفاعاً عن الضحايا، ولكن إذا انقطع عن أن يحب شيئاً آخر، فماذا يجديه أن يقاتل؟ “

” إن من العدل أن يأتي الفرح، بين وقت وآخر على الأقل، فيكافئ الذين يكتفون بالإنسان، وبحبه المسكين والفظيع. “

النهاية- هل انتهى الطاعون؟ 

الطاعون النفسي لا يمكن أن ينتهي، وسوف يرافق البشر في حياتهم اليومية طالما هم على قيد الحياة، وسوف يستمرون بمحاربته بكل ما فيهم من قوة. تماماً كسيزيف وصخرته، أو كالطبيب الذي يحارب الطاعون… 

” ولكنه كان يدرك في الوقت نفسه أن هذه القصة لا يمكنها أن تكون قصة النصر النهائي. إنها لا يمكن أن تكون إلا الشاهد على ما كان ينبغي إنجازه، وعلى ما يجب أن ينجزه، بعد، دون ريب، جميع الرجال الذين كانوا يعجزون عن أن يكونوا قديسين ويرفضون قبول الأوبئة، فهم يجهدون مع ذلك، ضد الرعب وسلاحه الذي لا يتعب، بالرغم من تمزقهم الشخصي- يجهدون بأن يكونوا أطباء.” 

شكراً ألبير كامو. 

بسمة سعد

أخصائية نفسية علاجية

About Basma Saad

Clinical psychologist and artist

مناقشة

رأي واحد حول “رواية “الطاعون” لألبير كامو- مراجعة، تحليل واقتباسات

  1. رائع جداً

    إعجاب

    Posted by aymanayoub | 2020/09/22, 5:40 مساءً

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

اضغط هنا لكي تتسجل للموقع وتحصل على المقالات الجديده مباشرةً لبريدك الالكتروني

انضمام 88 من المتابعين الآخرين

مرحباً

هنا في مدونتي الخاصة أكتب عن الصحة النفسية، ما يدعمها وما يعيقها. أحيانا أكتب من وجهة نظر مهنية، وفي أحيان أخرى أشارك في أفكار واراء شخصية. أعتبر مدونتي مساحتي الخاصة التي تمنحني كامل الحرية الفكرية. اسمي بسمة، وأنا أخصائية نفسية علاجية مع خبرة سنوات طويلة في التشخيص والعلاج النفسي. بالاضافة الى ذلك يشغل الفن والرسم حيزا كبيرا في عالمي النفسي والفكري، وأنا أرسم في الألوان المائية.
%d مدونون معجبون بهذه: