أنت تقرأ...
انا وولدي

الوالدية في زمن الكورونا- ما بين الواقع والتوقعات

لمتابعة المقالات الجديدة في علم النفس، الأدب والفن، تابعوني في الفيسبوك على صفحة الصحة النفسية وصفحة Basma’s psychology and art.

(هذا المقال مقدم من مركز “الشمس” للطفولة المبكرة كسرى_سميع ووحدة تطور الطفل “تجمع قلب الجليل”)

بعد عدد من التوجهات المؤلمة من أمهات موجودات الان في الحجر الصحي مع أطفالهن، شعرت أنه من الصحيح أن أكتب عن الوجه الآخر للأمومة والوالدية-  المظلم، النفسي، الذي كالعادة لا يظهر في وسائل التواصل الاجتماعي. 

في هذا المقال أود أن أعطي الشرعية والدعم لكل أم تشعر حالياً أنها تفشل في مواكبة التوقعات منها، وتعجز عن المنافسة في التوجه الإيجابي الحاصل حالياً والذي تصبح فيه الأم “امرأة خارقة” في قوتها وابداعها، لتهتم بتشغيل وتعليم أطفالها دون كلل أو تعب لساعات طويلة في النهار، وكإثبات على هذا تشعر أنه يجب أن تشارك في صور وفيديوهات لأطفالها المبتسمين والسعداء. 

الواقع غالباً ليس ايجابياً لهذا الحد، وفي البيوت تجلس الان أيضاً امهات مرهقات عاجزات عن التفكير بفعاليات ابداعية أو حتى تقليدها أو تنفيذها. هذا يزيد عندهن الشعور بالذنب والفشل، وهن يشعرن بعدم وجود الشرعية أو التقبل ليفصحن عن مشاعر مؤلمة من الإرهاق والخوف والعجز في مرحلة تاريخية من الطبيعي أن ترافقها مشاعر صعبة.

هناك وجهان لكل عملة، لهذا السبب مقابل الجو الإيجابي المليء بالطاقة الذي يظهر في وسائل التواصل يوجد وجه آخر، طبيعي وشرعي نحتاج أن نتواصل معه ونعي وجوده. ما ننكره أو نتجاهله أو نخفيه قد يظهر لاحقا بقوة وبدون سيطرة، تجعل الأمور أكثر سوءاً.

يحتاج الوالدان الحفاظ على صحتهما النفسية أولاً، كشرط أساسي للحفاظ على صحة الأطفال النفسية. أريد أن أقدم هنا بعض النصائح للمساعدة في ذلك (النصائح مقدمة للأمهات، لكنها موجهة أيضا للآباء):

1. انت لست امرأة خارقة وليس مطلوب منك أن تكوني أم مثالية. مطلوب منك أن تكوني أم جيدة بالقدر الكافي تساعد أطفالها ليصبحوا بالغين ومستقلين، قادرين على مواجهة العالم لوحدهم. لن ينجح كل ما تخططين له، وغالباً سوف تكون فجوة بين تخيلاتك وبين ما يحصل فعلياً وفي الواقع مع أطفالك. قومي بالتخطيط ولا تكفي عن السعي للأفضل، لكن اذا لم يرقى الواقع للتخيلات والتوقعات لا تتركي مشاعر الغضب والإحباط تسيطر عليك. تقبلي الأمر وشجعي نفسك وتذكري أن ما نجحتي بالقيام به كافياً في الظروف الراهنة التي ربما سوف تسمح بأكثر من ذلك مستقبلاً. 

2.هناك خطوط حمراء يجب أن تنجحي بعدم تعديها (العنف الجسدي كالضرب، العنف الكلامي كالصراخ المستمر والإهانة والتهديد والتخويف، عدم تزويد الطفل بالحاجات الجسمية والصحية والعاطفية). لكن بشكل عام سوف تقومين ببعض الأخطاء المقبولة في ظل الظروف الراهنة وغالباً لن تنجحي باستيعاب واحتواء الطفل 24 ساعة بدون انقطاع. إذا حصل أمر ما أشعرك بالذنب، تداركي نفسك عن طريق الاختلاء للحظات وتهدئة ذاتك بحديث ايجابي مع نفسك (مثل: “أنا اخطأت عندما صرخت بقوة وانتقدت طفلي، قمت بهذا لأنني مرهقة، ما حصل قد حصل ولا فائدة من التقوقع والغضب والغوص في مشاعر الذنب”). بعد أن تهدأي خذي طفلك لحديث لوحده، صفي بلغة مبسطة كيف تصرف، ماذا شعرتي أمام تصرفه، كيف تصرفتي بالمقابل. اشرحي للطفل أين كان الخطأ في تصرفه، وما هو التصرف الصحيح، ثم اعتذري منه على صراخك واهانتك له. قد تبدو لك “تجارب الفشل الصغيرة” هذه أنها سيئة جدا وتلومين نفسك كثيراً عليها، ولكنها تعلم الطفل مهارات حياتية ضرورية مثل القدرة على الإصلاح، الاعتذار والمسامحة.

3.نعم ينصح بابتعاد الأطفال عن الشاشات وتحديد استعمالها، ولكن صحتك النفسية هي أمر مهم جدا في هذه الفترة وإذا كان استعمال الشاشات يعطيكي القليل من الوقت للراحة والهدوء فلا تمنعيها عن نفسك وأطفالك. طبعا الشرط هو أن تراقبي المحتوى وأن تحددي فترات الاستعمال. 

4.مبدأ التراكم هو ما يحدد صحة الطفل النفسية، وهذا يحصل اذا كانت معظم التفاعلات مع الطفل ناجحة وايجابية مقابل بعض  من التفاعلات الخاطئة. 

5.ينصح بتخفيف الصراع حتى ولو على حساب الاستغناء عن القليل من السلطة الوالدية، واستعمال لغة عاطفية لوصف الأحداث والمشاعر. مثلاً، طفل عمره 8 سنوات يرفض الاستحمام قبل النوم ويستمر باللعب، قد يتحول اصرار الوالدين لصراع مع الطفل يوتر العائلة كلها. يمكن للوالدين اختصار الصراع وفي الصباح الباكر الكلام مع الطفل بهدوء عما حصل وتحديد التوقعات والعواقب. على الوالدين أن يسألا نفسيهما اذا كان الصراع الحالي لا بد منه ولا يمكن الاستغناء عنه، أم يمكن تأجيله واستبداله لاحقاً بحديث هادئ. “اختيار المعارك” بحكمة هو مبدأ هام جداً بالتربية- إذا كان لا بد من هذه المعارك.

الواقع في الحياة اليومية أكثر تعقيداً من أن يكون ايجابياً بشكل قاطع أو سلبياً بشكل قاطع، وهكذا تماماً هي الوالدية. اللحظات الصعبة والمعقدة هي جزء لا يتجزأ من الحياة، وعن طريق الوعي لوجودها والتعامل الصحيح معها يساعد الوالدين أطفالهم باكتساب مناعة نفسية وقدرة الصمود مستقبلاً كأشخاص بالغين ومستقلين.

بسمة سعد

أخصائية نفسية علاجية 

About Basma Saad

Clinical psychologist and artist

مناقشة

رأي واحد حول “الوالدية في زمن الكورونا- ما بين الواقع والتوقعات

  1. يعطيكي الف عافه
    الصراحه كلامك كثير بريح النفسيه وهاذا الكلام لازم كل ام توخذو بعين الاعتبار لانو كثير منواجه صعوبه فترباية اولادنا والتعامل معهن انا عن نفسي بتمنا كل يوم اسمع مثل هاذا الكلام ليغدر الواحد يتصرف مع اولادو صح حتى لو ما نجح عالاقل يعرف كيف يتصرف

    إعجاب

    Posted by علا صباح | 2020/03/29, 8:23 صباحًا

اترك تعليقًا على علا صباح إلغاء الرد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

اضغط هنا لكي تتسجل للموقع وتحصل على المقالات الجديده مباشرةً لبريدك الالكتروني

انضمام 88 من المتابعين الآخرين

مرحباً

هنا في مدونتي الخاصة أكتب عن الصحة النفسية، ما يدعمها وما يعيقها. أحيانا أكتب من وجهة نظر مهنية، وفي أحيان أخرى أشارك في أفكار واراء شخصية. أعتبر مدونتي مساحتي الخاصة التي تمنحني كامل الحرية الفكرية. اسمي بسمة، وأنا أخصائية نفسية علاجية مع خبرة سنوات طويلة في التشخيص والعلاج النفسي. بالاضافة الى ذلك يشغل الفن والرسم حيزا كبيرا في عالمي النفسي والفكري، وأنا أرسم في الألوان المائية.
%d مدونون معجبون بهذه: