أنت تقرأ...
أنا ونفسي

مشكلتي مع التنمية البشرية 

لمتابعة المقالات الجديدة في علم النفس، الأدب والفن، تابعوني في الفيسبوك على صفحة الصحة النفسية وصفحة Basma’s psychology and art.

عندما كنت أتصفح الفيسبوك بالأمس أصبحت مشكلتي مع التنمية البشرية واضحة أكثر. السبب كان فيديو مقابلة لأوبرا وينفري مع الكاتبة اليزابيث غيلبرت، صاحبة الكتاب ذائع الصيت (الذي تحول لاحقاً لفيلم هوليوودي من بطولة جوليا روبرتس) “طعام، صلاة، حب”.

قرأت كتاب “طعام، صلاة، حب” سنة 2009، ولأكن صادقة معكم ومع نفسي لم أستطع أن أنهيه. الكتاب يعد سيرة ذاتية لسنوات من حياة الكاتبة التي شعرت بضائقة نفسية شديدة قررت على أثرها انهاء زواجها (الذي وصفته بالفاشل دون اعطاء تفاصيل احترماً منها لخصوصية طليقها). عندما كانت تعيش تلك الأزمة النفسية الشديدة قررت اليزابيث قبول عرض عمل يؤمن لها فرصة للسفر والكتابة عن سفرها. اغتنمت الكاتبة هذه الفرصة التي لا تصح للكثيرين، وبدأت رحلتها التي وصفتها في كتابها. فكرة الكتاب المركزية هي أهمية حب الذات واكتشاف الحياة، وعدم الخضوع للصعوبات والتحديات.

الكتاب لاقى رواجاً منقطع النظير(110 أسبوعاً في قائمة الكتب الأكثر رواجاً)، وأوبرا أوصت بقراءته في نادي الكتاب الخاص بها. ربما قبل 11 عاماً كنت لا زلت أصغي لتوصيات أوبرا اللطيفة والمرحة، لكن ما أذكره أنني استعرت الكتاب من شريكتي في السكن، وأعدته لها بعد عدة أيام قبل أن أنهيه ومع رأيي الصريح بأنني لم أحب فكرته ولا مضمونه. لن يكون هذا المقال مراجعة للكتاب ولن أتكلم عنه كثيراً، ولكنني سوف أستعمله كمثال لأوضح من خلاله رأيي في أفكار وتوجهات وكتب التنمية البشرية التي تملأ السوق والعالم الافتراضي.

“طعام، صلاة، حب” – إليزابيث غيلبرت

إليزابيث غيلبيرت أنهت كتابها في النقطة التي وجدت فيها سعادتها مع رجل أحلامها، بعد رحلة من اكتشاف الحياة واستكشاف الذات. هي استمتعت بالأكل في ايطاليا، وتلقت الارشاد الروحي في الهند، ووقعت بالحب في اندونيسيا. لكن في مقابلتها الجديدة مع أوبرا بالأمس (مقابلة تسويقية لكتابها الجديد) شاركت المشاهدين بأنها انفصلت عن زوجها الذي تعرفت عليه في اندونيسيا وعاشت بعده قصة حب جديدة مع صديقتها (التي شخصت بسرطان غير قابل للعلاج وتوفيت بسببه). اليزابيث وصفت ظروفها النفسية المأساوية في ظل عنايتها بحبيبتها، ويبدو أنها وقفت بجانبها ببسالة ووفاء الى اللحظة التي فارقت فيها الحياة. ولكن على الرغم من تعاطفي الكبير مع اليزابيت واعجابي بوفائها وشجاعتها لم أستطع منع نفسي من التساؤل عن كتابها السابق الذي تم تسويقه على أنه المرشد الروحي في أشد أزمات الحياة. اليزالبيث قطعت مسار حياتها و”هربت” كي تجد الأجوبة لأصعب معضلات الحياة، فهل فعلاً وجدت تلك الأجوبة؟ هي بحثت عن حريتها من كل ما يكبلها من التزامات وتوقعات، لكن هل فعلاً أصبحت حرة؟

أشاهد الكثير من اجتماعات ومهرجانات التنمية البشرية، كتلك التي يقوم بها توني روبينز أو أشرف قرطام. التجمعات تبدو ايجابية وممتعة، لكن هل هي فعلاً قادرة على احداث التغيير في منظومة غاية في التعقيد كالمنظومة النفسية البشرية؟

مشكلتي مع التنمية البشرية

مشكلتي مع التنمية البشرية

أود أن آتيكم برأي المحلل النفسي الوجودي رولو مي، من كتابه “الحرية والقدر” (Freedom and destiny) من سنة 1981. على النقيض من كتاب اليزالبث غيلبيرت، كان هذا أحد أفضل الكتب التي قرأتها، والذي أثر علي شخصياً ومهنياً. لكن كما قلت عن كتاب “طعام، صلاة، حب” لن يكون هذا المقال مراجعة لكتاب رولو مي أيضاً، وسوف أكتفي بترجمة ما كتبه عن التنمية البشرية في هذا الاقتباس:

“هذا يقودنا إلى واحدة من الانتهاكات الجسيمة للحرية في عصرنا: التغيير فقط من أجل الرغبة في أمر مختلف ، أو التغيير كهروب من الواقع. هذا الانتهاك للحرية هو الأكثر فظاعة في ما يسمى “مراكز النمو” (“growth centers”). اسمحوا لي أن أسرع إلى القول إن الدافع لحركة مراكز النمو وعمل العديد من المراكز الفردية هو سليم وجدير بالإعجاب. هذا الدافع هو الشجاعة لمواجهة مشاكل الفرد الذاتية ومشاكله في العلاقات الإنسانية ؛ والاعتقاد بأنه يمكن للمرء أن يتمكن من السيطرة وأن يؤسس بعض الاستقلال الذاتي في حياته.

ولكن يمكن لأي شخص أن يرى بسهولة في عروضهم وجود “التفكير الإيجابي” والخداع الذاتي في أكثر أشكالهم وضوحا. إن الانطباع هو لوجود أغلبية ساحقة لأهداف مثل “استغلال إمكاناتك الحقيقية وإبداعك” ، “العثور على المزيد والمزيد من الفرح ،” “المعلم المثالي (Guru) للمعيشة هو أمر ضروري” وهلم جرا. لا يمكنني العثور على كلمات تتعامل مع تجارب شائعة لأي شخص يعيش في أيامنا هذه ، مثل “القلق” أو “المأساة” أو “الحزن” أو “الموت”. لقد غرق الجميع بالفرح الذي لا نهاية له والوعود الشجاعة بالانتصار والتجاوز ، وهي حركة نحو “السلام والحب” المتمحوران حول الذات” ، مع إنكار بشع لحقائق الحياة البشرية ، واستخدام التغيير لأغراض الهروب. ويا له من سوء فهم للأديان القديمة في الشرق الأقصى التي باسمها وعدوا بالخلاص والسلام!

المشكلة في مراكز النمو هذه هي الغياب التام لأي شعور بالقدر (الذي لم نختره ولا سيطرة لنا عليه). يبدو أنهم يعتقدون أنهم يسيطرون بشكل كامل على قدرهم وأن الأشخاص سوف يحددون تماما مصيرهم. لا يبدو أن المشرفين في هذه البرامج يدركون أن ما يتبنوه في تعاليمهم هو ليس الحرية على الإطلاق ، بل هو النزعة العاطفية ، أي الحالة التي يتم فيها السعي وراء الشعور وحده وليس الواقع. مثل هذه الاعتبارات تضفي أهمية ملحّة على هدفي المتمثل في إعادة اكتشاف معنى الحرية الشخصية. يشهد ازدهار حركة مراكز النمو هذه على انتشار الجوع لدى الانسان المعاصر للحصول على بعض التوجيهات حتى لا تمر الحياة دون أن يشعر بها. إن مجرد وجود هذه المراكز – التي لم تستطع البقاء على قيد الحياة لو لم تتم رعايتها تجارياً – يدل على أن جحافل من الناس يشعرون أن هناك شيئًا ما مفقودًا في حياتهم ، أو فشلهم في العثور على ما يبحثون عنه أو حتى في معرفة ما يبحثون عنه”.

لا أستطيع أن أضيف الكثير على ما قاله رولو مي الذي لخص الموضوع بطريقته المعهودة العميقة والرائعة. فكرته الأساسية في الكتاب هي أننا إذا أردنا أن نحقق الحرية ، فيجب علينا أن نفعل ذلك بجسارة وعمق يرفض الإذعان لمحاولات الهروب من مصيرنا. بالنسبة له المشاكل النفسية هي نعمة ترتدي القناع. هي لا تأتي عن طريق الصدفة ، بل بسبب المصير الداخلي الذي ينشأ من احتياجات الشخص نفسه ورغبته في حياة أكثر حقيقةً وعمقاً، دون الهروب من ذواتنا لتخيلات ترفض الاقرار بالجوانب المظلمة التي نحتاج العيش معها أو على الرغم منها.

ما رأيكم الشخصي في مجال التنمية البشرية؟ شاركوني رأيكم في تعليقات المدونة أسفل المقال.

بسمة سعد

أخصائية نفسية علاجية

About Basma Saad

Clinical psychologist and artist

مناقشة

التعليقات مغلقة.

اضغط هنا لكي تتسجل للموقع وتحصل على المقالات الجديده مباشرةً لبريدك الالكتروني

انضمام 88 من المتابعين الآخرين

مرحباً

هنا في مدونتي الخاصة أكتب عن الصحة النفسية، ما يدعمها وما يعيقها. أحيانا أكتب من وجهة نظر مهنية، وفي أحيان أخرى أشارك في أفكار واراء شخصية. أعتبر مدونتي مساحتي الخاصة التي تمنحني كامل الحرية الفكرية. اسمي بسمة، وأنا أخصائية نفسية علاجية مع خبرة سنوات طويلة في التشخيص والعلاج النفسي. بالاضافة الى ذلك يشغل الفن والرسم حيزا كبيرا في عالمي النفسي والفكري، وأنا أرسم في الألوان المائية.
%d مدونون معجبون بهذه: