أنت تقرأ...
انا وولدي

الوجهُ المٌظلمُ للوالديّة – إرشادٌ ونصائحُ للّحظاتِ الصّعبةِ

لمتابعة المقالات الجديدة في علم النفس، الأدب والفن، تابعوني في الفيسبوك على صفحة الصحة النفسية وصفحة Basma’s psychology and art.

الاهتمام المشترك الأكبر لدي كوني أخصائيّة نفسيّة, ولدى والدَيْ أيّ طفلٍ، هو صحّة الطّفل النّفسيّة ونموّه السّليم. ولكنّني اليومَ أودّ أنْ أحوّل الاهتمام للحظات نحو صحّة الوالدين النّفسيّة، لأضيء قليلاً على الوجه المعتِم للوالديّة، الذي للأسف لا يأخذ الكثير من الحيّز والشّرعيّة.

من أصعب اللحظات في الوالديّة هي الوقوف أمام طفل يعاند ويصرخ ويرفض أيّ حوار أو تفاهم، ليشعر الوالدَيْن بمزيج صعب ومُؤلم من مشاعر العجز والغضب وخيبة الأمل. الوعي الكبير في السّنوات الأخيرة جعل الوالدين يفهمان أنّ الطّرق الخاطئة التي كانت تُستعمل سابقاً مثل الضّرب والسّجن والإهانة والصّراخ والعقاب الشّديد لم تعُد مسموحة بعد أن أثبتتْ الأبحاثُ مدى سوِئها. لكن قلّما يملك الوالدان الأدوات الصّحيحة والمناسبة والخاصّة لمثل هذه اللحظات. أود هنا أن أشارككم ببعضها:

1. من الضّروريّ جدّاً أنْ يتعلّمَ الوالدان أساليبَ فكريّةً تساعدهم في تهدّئة أنفسهم في اللحظات الصّعبةِ قبلَ الوصولِ لفقدان السّيطرة. أنصحُ بمجموعةٍ من الأفكارِ ليتمّ تذكُّرُها واسترجاعِها في اللحظات الصّعبة أمام الأطفال:

أ. الطّفلُ يتصرّف بهذه الطّريقة ليس لأنّه سيئاً أو أنّه يعاني من مشكلة. هو يتصرّف هكذا لأنّه لا يزال صغيراً وغير ناضج.

ب. وجود الصّراعات واللحظات الصّعبة لا يعني أنّني فاشلٌ كوالد/ة أو أنّني أحتاج تفعيل كميّة أكبر من السّيطرة والسُّلطة.

ج. هذه اللحظات الصّعبة مؤقتة وسوف تنتهي على الرّغم من أنّها تبدو طويلة ولا نهائيّة.

د. هذه اللحظات هي فرصة مهمة لتربيّة الطّفل كي يكتسب مهاراتٍ ضروريّةً في التّواصل وضبط النّفس.

الوجهُ المٌظلمُ للوالديّة – إرشادٌ ونصائحُ للّحظاتِ الصّعبةِ

الوجهُ المٌظلمُ للوالديّة – إرشادٌ ونصائحُ للّحظاتِ الصّعبةِ

2. قبل أيّ تصرّف حاولْ أن تفهم. هل الطّفل موجود في ضائقة ما وهو يعبّر عنها عن طريق هذا التّصرّف؟ مثلاً، الطفل يهرب من دروسه ويماطل. هل يشعر بداخله أنّه “غبي” وأنّه “مخيّب للآمال” وأنّه سوف يفشل ويُعاقَب، ممّا يجعله يهرب من مهمّة الدّراسة؟ هل يحتاج إلى دعم تجاه ثقته بنفسه وتهدئة لخوفه؟ أو مثلاً طفلة تهرب من الاستحمام, وكلّ ليلة تتحول لحظات الاستحمام إلى صراع طويل كي تدخل الحمام. هل تعاني هذه الطّفلة من قلق من الماء وتخاف منه؟ هل تحتاج تدخّلاً ما يساعدها في التّغلُّب على قلقها؟

في أغلب الأحيان يعبّر الأطفال في تصرفاتهم عن ضائقة لا يستطيعون التعبير عنها بالكلام بسبب عدم نضوجهم. الفهم لدافع الطّفل أو ما يدور في عالمه النفسيّ هو الخطوة الأولى التي لا غنى عنها في علاقة أيّ طفل مع والديه.

3. أطفال اليوم يعيشون في عالم الوفرة والكثرة والماديّة، بينما آباؤهم وأمّهاتهم عاشوا في عالم لم يتّسم بنفس الوفرة, وربّما أيضاً لديهم ذكريات من مشاعر النّقص أو الرّغبة غير المُشبَعة. الفجوة الكبيرة بين الأجيال جعلتْ أيّ والدَيْن يسعيان إلى الأفضل من أجل أطفالهم، وربّما عن طريق تزويد أطفالهم بالكثير, وعدم حرمانهم من أيّ شيء هم يعوّضون أنفسهم عن مشاعر الحرمان والنّقص كأطفال. يجب على الوالدين أن يعلما أنّ حصول الطّفل على كلّ شيء ليس بالضّرورة أمر جيّد لتطوره وحصانته النّفسيّة. هم يوفّرون لأطفالهم كلّ شيء، لكن ماذا عن فترة البلوغ التي سوف يستقلون فيها ولن توفّر لهم الحياة فيها كلّ شيء؟ هل سيكون لديهم القدرة على الصّبر وضبط النّفس والعمل بجهد؟

النصائح في هذا المجال هي:

أ. تعليم الأطفال القيمة الحقيقيّة: يجب على الوالدين تعليم الطّفل أنّ القيمة الحقيقية موجودة في التّفاحة وليس في كيس رقائق البطاطا الضّخم. وأنّ القيمة الحقيقيّة موجودة في وقت اللعب سويّاً كعائلة، وليس في الوقت الذي يقضيه وحده في اللعب على التابلت او الإكس بوكس.

ب. تعليم الأطفال القيَم وإبعادهم عن الماديّة: “هل فعلاً تريد هذه اللعبة البلاستيكيّة التي لديك الكثير منها وسوف تتحوّل لاحقاً إلى قمامة وتضرّ البيئة والحيوانات”؟

ج. الحصول على الأمور ليس مفهوماً ضمناً: يجب على الطّفل أن يختار بعناية ويثبت أنه قام بمجهود ما مقابل الحصول على امتياز ما أو غرض ما. فترة من التّشوّق والانتظار هي أمر جيّد وتُعَلّم الطفل أنّ ما يحصل عليه له قيمة فعليّة.

د. حصر الاختيارات: الطّفل غير قادر على التّعامل مع اختيارات لا نهائيّة وهو بحاجة إلى تحديدها من أجله. مثلاً، طفلة تقف أمام خزانتها المليئة بالثّياب لن تختار بسرعة وسوف تماطل وتحتار، لكن إنْ قام والدها بتحديد ثلاث اختيارات يعلم أنّها تحبّهم، سوف تختار منهم بسرعة.

الوجهُ المٌظلمُ للوالديّة – إرشادٌ ونصائحُ للّحظاتِ الصّعبةِ

الوجهُ المٌظلمُ للوالديّة – إرشادٌ ونصائحُ للّحظاتِ الصّعبةِ

4. اختيار اللغة المناسبة: على الوالدين تقليل حدّة الصّراع مع أطفالهم قدر الإمكان، واستعمال لغة حازمة وهادئة دون المسّ بثقة الطّفل بنفسه أو التّقليل من قيمة ما قام به. في هذا السّياق هناك نصيحتان مهمتان:

أ. استعملوا كلمة “في المرّة القادمة” بدلاً من “لماذا قمت بهذا”. مثلاً، الطّفل يأكل ويترك الفُتات حوله على الأرض. بدلاً من أن تنتقده أمّه وتقول: “لماذا قمت بتوسيخ الأرض حولك؟ أنت لستَ حيواناً, أنت بشر, وعليك أن تهتمّ بالنّظافة!”، عليها أنْ تقول: “في المرّة القادمة انتبه كي لا توسّخ حولك، سوف أحضر لك المكنسة كي تكنس الفتات”.

ب. لا تفتحوا حواراً لا ينتهي مع طفل يعاند ويرفض التّعاون. بعد أنْ حاولتم وأعطيتم شروحاً كافية, استعملوا طريقة “الأسطوانة المكسورة”. مثلاً، طفل يرفض القيام بواجباته المدرسية ويطلب المزيد من الوقت للقيام بأمور أخرى. والده يتجاوب معه فقط عن طريق تكرار القول: “أفهم ما تقوله ولكن الآن وقت القيام بالواجبات”، بهدوء وحزم، دون إضافة أيّ شيء آخر، وعدم المغادرة حتى يتوجه الطّفل للقيام بواجباته.

5. كونا جاهزَيْن: على كلّ والدَيْن أنْ “يدرسا” طفلَهما ويتوقّعا ما هي الأماكن أو الأزمنة المعرّضة لحصول مشاكل؟ ويأخذا القرارات والتّدبيرات اللازمة. مثلاً، إذا كان الطّفل يعاني من المشاكل السّلوكيّة في أماكن مكتظّة مثل المراكز التّجاريّة، يمكن أن يقرّرَ الوالدان تقليل زمن المكوث في هذه الأماكن، أو أن يأخذ الأب طفله للّعب في الحديقة ريثما تُنهي الأمّ تسوّقها بسرعة. كمثالٍ آخر، إذا كان وقت الاستحمام يثير ردود فعل رافضة وغاضبة ويتطلّب وقتاً طويلاً من الإقناع، يمكن للوالدَيْن أنْ يتحضّرا نفسيّاً وفعليّاً لهذا الوقت، ويتعاملا مع طفلتهم بصبر وحزم وتعاطف، بينما يحاولا استعمال اللعب لتحويل الوقت من وقت للخوف والصّراع الى وقت فيه متعةٌ ولعبٌ.

الوجهُ المٌظلمُ للوالديّة – إرشادٌ ونصائحُ للّحظاتِ الصّعبةِ

الوجهُ المٌظلمُ للوالديّة – إرشادٌ ونصائحُ للّحظاتِ الصّعبةِ

6. تبادل “ساعات الراحة”: هناك مثل أفريقي يقول: “تربية طفل تحتاج قرية بكاملها”، ومن هذا المبدأ يمكن للبالغين استبدال عدد متّفق عليه من “ساعات الراحة” تستعمل في لحظات الإرهاق الشّديد. يمكن استعمال الفكرة بين الزّوجَيْن أو بين أصدقاء. مثلاً، يتمّ الاتّفاق على تبادل ساعتين شهرياً يمسك فيها الزّوج (أو الصديقة) الأطفال لوحده، لتستطيع الأمّ الخروج من البيت لترتاح. بالمقابل يأخذ الزوج (او الصديقة) في نفس الشّهر ساعتين لنفسه بعدما تعتني الأم لوحدها بأطفالها (مع أطفال صديقتها). هذا التّدبير يمكن استعماله كإجراء للحظات الإرهاق، أو يمكن أن يصبح جزءاً من الرّوتين. الوالديّة ممكن أنْ تصبح في بعض اللحظات مجهدة جداً، ولا بدّ أنْ يهتمّ الوالدان بصحّتهم النّفسيّة.

بسمة سعد

أخصائية نفسية علاجية

About Basma Saad

Clinical psychologist and artist

مناقشة

التعليقات مغلقة.

اضغط هنا لكي تتسجل للموقع وتحصل على المقالات الجديده مباشرةً لبريدك الالكتروني

انضمام 88 من المتابعين الآخرين

مرحباً

هنا في مدونتي الخاصة أكتب عن الصحة النفسية، ما يدعمها وما يعيقها. أحيانا أكتب من وجهة نظر مهنية، وفي أحيان أخرى أشارك في أفكار واراء شخصية. أعتبر مدونتي مساحتي الخاصة التي تمنحني كامل الحرية الفكرية. اسمي بسمة، وأنا أخصائية نفسية علاجية مع خبرة سنوات طويلة في التشخيص والعلاج النفسي. بالاضافة الى ذلك يشغل الفن والرسم حيزا كبيرا في عالمي النفسي والفكري، وأنا أرسم في الألوان المائية.
%d مدونون معجبون بهذه: