أنت تقرأ...
انا وولدي

الصدمة النفسية واضطراب ما بعد الصدمة عند الأطفال

إن التعرض لأحداث عنيفة (مثل سوء المعاملة الجسدية ، الاعتداء الجنسي ، الإصابة الجسدية، العنف المنزلي، حوادث السيارات ، الأمراض الطبية الخطيرة ، الكوارث الطبيعية ، والحرب والإرهاب) هو أكثر انتشارًا بين الأطفال والمراهقين مما يتوقعه الكثيرون منا. أظهرت الدراسات في جميع أنحاء العالم أن أكثر من 50% من الأطفال والمراهقين قد يكونوا قد تعرضوا لحدث أو أكثر من هذه الأحداث المؤلمة المحتملة قبل بلوغهم سن الرشد. في البلدان التي تشهد حروبًا مستمرة ، وفي مناطق ما بعد الصراع ، أو في المناطق المتضررة من الكوارث الطبيعية أو العنف المجتمعي المزمن ، تكون هذه النسبة مرتفعة أكثر. مع الأخذ بالحسبان لعوامل خطر مختلفة، فإن نسبة كبيرة من الأطفال المعرضين لمثل هذه الأحداث سوف يعانون من اضطرابات نفسية مرتبطة بالصدمة، مثل اضطراب ما بعد الصدمة.

في دليل التشخيص الإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5)، يتم تحديد الحدث الصادم على أنه التعرض للموت الفعلي أو التهديد بالموت، أو الإصابة الخطيرة ، أو التعرض للعنف الجنسي أو الجسدي(سواء بشكل مباشر، من خلال مشاهدته عن بعد ، أو معرفة حصوله لأحد أفراد العائلة)، أو التعرض المتكرر للكوارث الاجتماعية أو الطبيعية (يتم في الدليل استبعاد التعرض للصدمة من جراء مشاهدة أحداث في الوسائل الإلكترونية أو الأفلام أو التلفزيون أو الصور الفوتوغرافية). عند الأطفال بعمر 6 سنوات أو أقل ، تندرج معايير التشخيص تحت “نوع فرعي لمرحلة ما قبل المدرسة” ( preschool subtype)، فيه يكون إما التجنّب المستمر للتحفيزات المثيرة للصدمة أو التغييرات السلبية في الإدراك، كافيان كمؤشرات على اضطراب ما بعد الصدمة. عند الأطفال الذين تقل أعمارهم عن 6 سنوات ، قد لا يتذكر الطفل الحدث الصادم أو يتحدث عنه، لكن قد يعبر عن ذكريات الصدمة في اللعب أو أحلام مخيفة وكوابيس، وذلك على الرغم من أنه لا يمكن تحديد هذه الأفكار بسهولة وربطها بالحدث المؤلم. بالإضافة إلى ذلك، قد تظهر سلوكيات يحاول فيها الطفل إرجاع أحداث متعلقة بالصدمة (reenactment)، إلى جانب شعوره بالتوتر أو الخوف أو التدهور العام.

وجدت الأبحاث أن المناعة النفسية للأهل لها تأثير كبير على ردود افعال الأطفال للصدمة. عندما يتعرض الوالدان والأطفال لأحداث صادمة (مثلا، الحرب أو الكوارث الطبيعية)، قد يحاكي الأطفال استجابات الوالدين ، مثل التجنب أو الانسحاب أو التعبيرات المتطرفة للخوف ، و “يتعلمون” الاستجابة لذكرياتهم الخاصة بالحدث المؤلم بنفس الاسلوب.

تشمل أعراض اضطراب ما بعد الصدمة إعادة الأحداث الصادمة في واحدة من الطرق التالية على الأقل:

١. ذكريات أو صور تتكرر بشكل لا إرادي، أو أحاسيس جسدية تُذكر بالحدث. عند الأطفال الصغار جداً ، من الشائع ملاحظة اللعب الذي يتضمن عناصر الحدث الصادم ، أو السلوكيات التي يُعيد فيها الطفل أحداث متعلقة بالصدمة (مثلا، سلوكيات جنسية غير متلائمة مع للمرحلة التطورية للطفل، قد تكون مؤشر لتعرضه لصدمة اعتداء جنسي). قد يعاني الأطفال من فترات قد يتصرفون أو يشعرون فيها وكأن الحدث لم ينتهي وهو يحدث حاليًا ؛ وهي ميزة انفصالية (dissociative) تظهر عند البالغين بشكل ومضات من الذكريات الصادمة (flashbacks).

٢. بذل جهود مكثفة وفعالة لتجنب الأماكن ، أو الأشخاص ، أو المواقف التي من شأنها أن تعيد ذكريات الحدث الصادم.

٣. تغيرات سلبية في الإدراك والمزاج بعد التعرض للصدمة. عند الأطفال بعمر 6 سنوات أو أقل ، وفقا ل DSM-5 ، قد تأخذ التغيرات السلبية في الإدراك شكل السلوك المنسحب اجتماعيا، الحد من التعبير عن المشاعر الإيجابية ، تضاؤل الاهتمام باللعب، ومشاعر العار، الخوف والارتباك. عند الأطفال الذين تزيد أعمارهم عن 6 سنوات ، قد تأخذ العوارض شكل عدم القدرة على تذكر أجزاء من الأحداث الصادمة (فقدان الذاكرة لأسباب نفسية)، أو المشاعر السلبية المستمرة حول الذات ، بما في ذلك الرعب والغضب والشعور بالذنب أو العار. بعد وقوع حدث صادم ، قد يواجه الأطفال شعورًا بالانفصال وعدم الرغبة بأنشطة اللعب المعتادة (الخدر النفسي/ psychological numbing) أو ضعف القدرة على الاحساس بالمشاعر. قد يعبر المراهقون الأكبر سنا عن خوفهم من أنهم يتوقعون موتهم في سن صغيرة (بمعنى أن المستقبل محدود). تتضمن الاستجابات النموذجية الأخرى للأحداث المؤلمة أعراض فرط الحساسية التي لم تكن موجودة قبل التعرض للصدمة ، مثل صعوبة النوم أو البقاء نائماً. فرط اليقظة والحذر بشأن السلامة وزيادة التحقق من أن الأبواب مقفلة ؛ أو جفل (startle reaction) مبالغ فيه. عند بعض الأطفال ، يمكن أن يظهر فرط الانفعال كعجز عن الاسترخاء مع زيادة التهيج، الاندفاع، وضعف القدرة على التركيز.

التعرض للصدمة – خاصة عندما يحدث في سن مبكرة ويكون التعرض طويل الأمد – يسبب اضطرابات مرتبطة بالصدمة ويمكن أن يترافق مع تدهور كبير في الصحة العقلية والبدنية خلال جميع مراحل الحياة. بالتالي ، فإن صدمة الطفولة وآثارها تُعد في الوقت الحاضر قضية صحية عامة رئيسية في جميع أنحاء العالم. الوقاية من الصدمات هي أهم التدابير لتقليل عدد الأطفال المعرضين لإضطرابات الصدمات النفسية، لكن لسوء الحظ ، حتى أفضل التدابير لن تقي جميع الأطفال من التعرض للصدمة. لتجنب العواقب على الفرد والمجتمع للمدى الطويل ، من الضروري تشخيص الأطفال المصابين بصدمات نفسية بسرعة ومعالجتهم بأساليب فعالة في أقرب وقت ممكن.

بسمة سعد

أخصائية نفسية علاجية

About Basma Saad

Clinical psychologist and artist

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

اضغط هنا لكي تتسجل للموقع وتحصل على المقالات الجديده مباشرةً لبريدك الالكتروني

انضمام 88 من المتابعين الآخرين

مرحباً

هنا في مدونتي الخاصة أكتب عن الصحة النفسية، ما يدعمها وما يعيقها. أحيانا أكتب من وجهة نظر مهنية، وفي أحيان أخرى أشارك في أفكار واراء شخصية. أعتبر مدونتي مساحتي الخاصة التي تمنحني كامل الحرية الفكرية. اسمي بسمة، وأنا أخصائية نفسية علاجية مع خبرة سنوات طويلة في التشخيص والعلاج النفسي. بالاضافة الى ذلك يشغل الفن والرسم حيزا كبيرا في عالمي النفسي والفكري، وأنا أرسم في الألوان المائية.
%d مدونون معجبون بهذه: