أنت تقرأ...
أنا ونفسي

العلاقة العاطفية والزوجية الصحية – نصائح وتوجهات

العلاقة العاطفية والزوجية قد تكون من أكثر العلاقات قرباً وحميمية بين شخصين بالغين. يتوق الإنسان بشكل كبير الى تلك العلاقة، وليس فقط لأسباب جنسية وغريزية، بل لأنها محفز للتصورات والتوقعات عن علاقة دافئة وقريبة وحقيقية مع إنسان لا خوف أمامه أن تُظهِر الذات على حقيقتها. الرغبة في العلاقة الزوجية مصدرها مزيج من الدوافع الجنسية والنفسية، وبينما الدوافع الجنسية مفهومة وواضحة، تبقى الدوافع النفسية مبهمة وغير مفهومة.

كل شخص يدخل أي علاقة عاطفية مع رغباته وتجاربه الطفولية التي تعود لتظهر من جديد. سوف يصبح الشريك الهدف الذي تصوب نحوه الإسقاطات الطفولية وخيبات الأمل التي طواها النسيان لكنها لا زالت حاضرة في الأعماق. كما لا يأتي الطفل العالم لوحة بيضاء، لا يدخل أي شخص إلى علاقةٍ لوحةً بيضاءَ، وتكون هذه العلاقة جزءاً جديداً من مسلسل قديم لا يمكن فهم أحداثه دون الاطلاع على أجزائه السابقة.

الاندماج والتقارب الكبيران، مع وجود الرغبات والخيبات الطفولية، يقابلان واقعاً من المتطلبات والمسؤوليات والضغوطات الحياتية. الصراعات الزوجية تصبح أمراً وشيكاً أو معتاداً، وبالتدريج تفقد العلاقة حميميتها وعمقها، لتصبح أحياناً مجرد مشاركة في المسؤوليات والمهام الحياتية والمنزلية. قد تصبح أحياناً العلاقة الزوجية والحياة العائلية مجرد محاولات صمود يومية، دون تلبية للحاجات النفسية لأفراد العائلة.

العلاقة العاطفية والزوجية يمكن أن تبقى مصدراً للحميمية والقرب العاطفي، لكن هذا يحتاج وعياً وجهداً من قبل الطرفين فيها. هذا الوعي يتعلق بعدة اتجاهات يحتاج الطرفان الانتباه المستمر لها. هذه الاتجاهات هي:

1. الصداقة: مع مرور الوقت شيء ما في العلاقة العاطفية يُعد مفهوماً ضمناً، وكأن كل طرف في العلاقة مضطر أن يساند الطرف الآخر وأن يتحمل مسؤوليته- ليس لأنه يحب ويريد ذلك، بل لأن الطرف الآخر يلزمه بذلك. التقارب العاطفي، المشاركة بالأفكار والهموم، الاحتواء والدعم، يصبحان أحياناً من الماضي. لو عامل كل شريك شريكه كأفضل صديق ممكن أن يكون له، كانت ستبقى العلاقة مقربة وحميمية.

2. إبداء الاهتمام والعاطفة: في لحظات الإرهاق الجسدي والنفسي يصبح التواصل العاطفي والتشجيع ضرورياً أكثر. سوف يساعد الشريكان لو اعتادا السؤال والاهتمام بوضع الشريك وحالته النفسية والجسدية.

3. تقبل الاختلاف: قد يكتشف الشركاء اختلافات فيما بينهم، من ناحية الأذواق والأفكار والآراء. التقبل وفسح المجال للآخر ليعبر فيه عن اهتماماته و أفكاره يصبحان أكثر ضرورة مع تقدم الوقت والعمر.

4. التعاطف: بدل الانتقاد والرفض، من المفضل أن يتعاطف كل شريك مع شريكه، وأن يفهم بشكل عميق أكثر ما يقبع وراء تصرفات الشريك. قبل انتقاد التصرف، يجب البحث عن الأفكار والمشاعر التي أدت الى هذا التصرف.

5. الحميمية الجسدية: العلاقة الجنسية ليست مفهومة ضمنا، وهي تحتاج معرفة وحميمية بين الشريكين. الصراحة وفسح المجال للحوار وتقبل رغبة (أو عدم رغبة) الطرف الآخر هي مهارات لا بد من تعلمها مع مرور الوقت.

6. الطقوس: خصوصاً بعد قدوم الأطفال وزيادة المسؤوليات لا يجد الشريكان وقتاً كافياً ليقضياه معاً. بناء طقوس ثابتة بشكل يومي أو أسبوعي لقضاء الوقت معا هي أمر ضروري للحفاظ على التواصل العاطفي.

7. معرفة عن طفولة الشريك وعائلته: معرفة الشريك بعمق ومن أي مكان أتى تجعله مفهوما أكثر وتساهم في التفاهم والتأقلم في الحياة المشتركة. مثلا، لو فهمت الزوجة أن زوجها ترعرع في بيت تملؤه صراعات والديهِ، قد تستطيع أن تفهم لماذا زوجها يبالغ في ردود فعله للصراع، ويرى كل صراع أنه أمر خطير وغير قابل للتفاهم والاصلاح ؟ حين تفهم الزوجة هذا، تستطيع أن تتعاطف أكثر مع ردود فعل زوجها، وأن تساعده ليفهم ويتأكد أن صراعاتهم طبيعية وليست خطرة أو دائمة، ولا يجب أن يخاف منها.

8. الوعي للمزاج: يجب أن يعي الشريكان ما إذا كان هناك اختلاف مزاجي بينهم. مثلاً ، هل الزوجة محِبة للحركة وللحياة الاجتماعية، بينما زوجها يفضل الهدوء والانعزال؟ فهم مزاج الشريك قد يساعد في التفاهم الذي هو مزيج من التضحية والتقبل.

9. التواصل: احتقان المشاعر والتجارب السلبية على مر السنين قد يكون له تأثير نفسي سلبي على الشريكين. يجب الانتباه لضرورة التواصل والمصارحة، للحفاظ على التفاهم والتقارب العاطفي.

10. الصراع: الصراع هو أمر طبيعي ومتوقع، ووجوده لا يعني أن هناك مشكلة في العلاقة. يجب على الشريكين أن يتكلما عن سبل التواصل في حالة حصول خلاف أو صراع. مثلاً، هل يأخذان مساحة أحدهما من الآخر حتى استرجاع الهدوء؟ مَنْ المسؤولُ عن التواصل بعدها للتفاهم والكلام عمّا حدث؟

11. الثقة: على الشريكين أن يبنيا ثقة بينهما، مفادها أن الشريك بالفعل تهمه مصلحة وصحة شريكه النفسية والجسدية. يجب الكلام عن الثقة، وعن الشكوك المتواجدة.

12. الوفاء والحدود: يعد هذا الموضوع من أكثر المواضيع الشائكة والمسببة للمشاكل، خصوصاً بعد ظهور العالم الافتراضي. على الشريكين أن يتفقا على الحدود، وما الذي يعد تعدياً على الحدود؟ مثلا، من الأشخاص من الجنس الآخر الذين يمكن مُصادقتهم؟ وماذا تعني تلك الصداقة ؟ وكم من الوقت يمكن إعطاؤها؟

13. الوالدية: على الشريكين التفاهم والحوار فما يتعلق بأساليب التربية التي يتبعها كل طرف. من الضروري أن يكون حوار الشريكين بمعزل عن الأطفال، وإظهار التفاهم أمامهم وكأنهما جبهة موحدة بالنسبة للتوقعات من الأطفال والحدود الموضوعة لهم. هذا التفاهم يساهم في الحفاظ على صحة الأطفال النفسية.

14. الاحترام: يجب على الشريك أن ينتبه لسبل تعامله مع شريكه. فالسخرية والاستهزاء والنقد اللاذع تُظهِر عدم احترام و تسبّبُ التباعد العاطفي والمشاكل الزوجية.

15. الاعتذار والمسامحة: القدرة على الاعتذار والقدرة على المسامحة هما مهارتان ضروريتان، خصوصاً في العلاقات العاطفية والحياة الزوجية. أحيانا كلمة اعتذار بسيطة كفيلة بأن تنهي مشكلة، بعد أن يُظهر الطرف الآخر قدرته على المسامحة.

16. التكافؤ في بذل الجهد: شعور عدم التكافؤ وأن طرفاً يقوم بجهد أكبر من الطرف الآخر يسبّب احتقاناً عاطفياً ومشاعر سلبية كثيرة. يجب التحاور عن موضوع التكافؤ، وتقسيم المهام الحياتية والواجبات الاقتصادية بطريقة تبدو عادلة للطرفين، بحيث يتحمل كل طرف المسؤولية كاملة على الجزء الخاص فيه – طبعاً مع ليونة كافية من أجل طلب المساعدة أو تقديمها إذا احتاج الموقف.

العلاقة العاطفية والزوجية ليست أمراً سهلاً ولا مفهوماً ضمناً. هذه العلاقة تحتاج الوعي والعمل المستمر، كي تبقى من أجمل العلاقات الإنسانية وأكبر المصادر للعاطفة والإشباع النفسي.

بسمة سعد

أخصائية نفسية علاجية

About Basma Saad

Clinical psychologist and artist

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

اضغط هنا لكي تتسجل للموقع وتحصل على المقالات الجديده مباشرةً لبريدك الالكتروني

انضمام 88 من المتابعين الآخرين

مرحباً

هنا في مدونتي الخاصة أكتب عن الصحة النفسية، ما يدعمها وما يعيقها. أحيانا أكتب من وجهة نظر مهنية، وفي أحيان أخرى أشارك في أفكار واراء شخصية. أعتبر مدونتي مساحتي الخاصة التي تمنحني كامل الحرية الفكرية. اسمي بسمة، وأنا أخصائية نفسية علاجية مع خبرة سنوات طويلة في التشخيص والعلاج النفسي. بالاضافة الى ذلك يشغل الفن والرسم حيزا كبيرا في عالمي النفسي والفكري، وأنا أرسم في الألوان المائية.
%d مدونون معجبون بهذه: