أنت تقرأ...
كتب وروايات, أنا ونفسي, اقتباسات وخواطر

أليس في بلاد العجائب- تحليل نفسي للرواية

لمتابعة المقالات الجديدة في علم النفس، الأدب والفن، تابعوني في الفيسبوك على صفحة الصحة النفسية وصفحة Basma’s psychology and art.

في هذه الفترة أعيد قراءة بعض الروايات التي قرأتها سابقا في طفولتي. أختار الروايات التي تركت في كطفلة انطباعا من البلبلة او عدم الفهم، وأقرأها اليوم من منظور شخص بالغ.

بدأت مع رواية “الأمير الصغير”، واليوم قرات “أليس في بلاد العجائب”.

حين قرأت قصة أليس للمرة الأولى، كنت ربما في العاشرة من عمري. أذكر أنني لم أفهم كل ما قرأته، وفي بعض الاحيان شعرت بالخوف والبلبلة من المحتوى. قرأت الرواية باللغة العربية، وأعتقد ان ترجمة النسخة التي قرأتها لم تكن بالمستوى المطلوب. بعد أن قرأتها الآن، أستطيع أن أفهم جمالها. لا زلت اعتقد انها قصة غير مفهومة للأطفال، وتحتاج لمرافقة وشرح من شخص بالغ.

الرواية تحمل بعدا نفسيا، خصوصا فيما يتعلق بالمشاعر التي تتركها، وبنوع العلاقات بين شخصياتها. هي تحمل الكثير من المحتوى النفسي الذي يعيشه الطفل في رحلة نموه، تلك الرحلة التي تأخذ منحاها الرمزي في كبر وصغر حجم أليس خلال الرواية.

قال الفأر النعسان الذي كان يجلس بجوارها: “أود لو لم تعتصريني هكذا، فأنا لا أكاد أتمكن من التنفس”.

قالت اليس بوداعة شديدة: “لا حيلة لي فأنا أنمو”.

العنف اللفظي والجسدي في الرواية: خلال الرواية يتم إستعمال عنف كلامي (ليس شديدا) بين الشخصيات. مثلا، هم يصفون بعضهم بالغباء، كما ويتقاذفون الإتهامات. العنف الجسدي حاضر في الرواية كنوع من الترهيب (كحكم الملكة الدائم بقطع رؤوس الشخصيات)، أو كعنف لا تأثير مؤذي له (مثلا، ترمي الخادمة صحن على طفل رضيع وانفه يقطع، لكن يظهر لاحقا أنه لم يحصل له شيء). تم إبطال مفعول العنف في الرواية، وكما وتصرح إحدى الشخصيات، أن الملكة فقط تهدد ولا تنفذ، ولم يسبق أن قطع رأس أحد ما بالفعل.

العدوانية هي غريزة بداخل كل إنسان، يكبر معها ويحاول ضبطها. لكن في الطفولة تتسبب هذه الغريزة بقلق للطفل، وهو غالبا ما يشعر ان العالم حوله مؤذٍ وخياله يمتلئ بالشخصيات المخيفة كالوحوش او المجرمين. الرواية تُظهر العدوانية من وجهة نظر طفل وكيفية رؤيته للعالم، كما وتبين وسيلة الدفاع النفسية التي يستعملها غالبا الأطفال في مواجهة قلقهم، حين يصرحون أنهم بأنفسم أبطال لا أحد يستطيع أذيتهم. يظهر هذا حين يكبر حجم أليس لتصبح عملاقة، وتصبح كل الشخصيات حولها غير مؤذية لها.

الأنا الحقيقي” والضغط الإجتماعي: في الرواية أليس تجاهد لتقول رأيها، او تسأل أسئلتها، او تعبر عن معارضتها. برغم الجهود لإسكاتها ووصفها كثيرا بالغباء، هي لا تستسلم، وتبقى روحها متمردة وراغبة في الفهم والبحث عن المنطق.

مصطلح “الأنا الحقيقي” للمحلل النفسي دونالد وينيكوت، يعبر عن إحساس بالذات مبني على العفوية والحيوية والصراحة، دون الحاجة للتخلي عن الذات من أجل التلائم لحاجات الآخر أو البيئة. في المقابل، يتكلم وينيكوت عن “الأنا المزيف” الذي في حالاته القصوى يمكن ان يترك الشخص يفتقر للعفوية ومع شعور داخلي بالفراغ والخواء. العديد من الأطفال يتربون تحت ضغوط توقعات منهم بأن يلائموا أنفسهم لحاجات البيئة والمجتمع، ويتم قمع أي محاولة لهم للإنفرادية او حس الإستقلالية. أليس بقيت عفوية وحيوية على الرغم من لحظات شعرت فيها بالشكوك تجاه ذاتها وعبرت بها عن البلبلة والألم.

في مقطع جميل من الفيلم (من سنة 2010) المقتبس عن الرواية (المقطع غير موجود بالرواية نفسها) تقول أليس:

منذ اللحظة التي سقطت فيها بحفرة الأرنب تلك، قيل لي ما الذي يفترض علي القيام به ومن يفترض بي أن أكون! لقد تقلصت، تمددت، تخدشت، وحشرت في إبريق شاي. لقد أتهمت بأنني أليس واتهمت بأنني لست أليس، ولكن هذا حلمي “أنا”! وأنا سوف أقرر إلى أين سأذهب من هنا.”

ضبط النفس والتعاطف: تبدأ الرواية مع صعوبة أليس في ضبط نفسها، مما يتسبب لها بالمشاكل. فهي تقول كل ما يخطر ببالها، دون التفكير بتأثيره على السامع. أحيانا عدم قدرتها على ضبط نفسها يخيف باقي الشخصيات منها ويتركها وحيدة. في الفصول الأخيرة من الرواية، نرى أن أليس قد تعلمت التعاطف وضبط النفس، وهي تستطيع ان تفكر بتأثير أقوالها على من يسمعها وتتوقف باللحظة المناسبة عن الكلام.

العلاقات بين الشخصيات: العلاقات بين شخصيات الرواية تتسم بشكل أساسي بالصراع الشديد. نادرا ما نجد في الرواية شخصية تقدم المساعدة للأخرى، أو تساهم بشكل ما لراحتها النفسية أو الجسدية. على الرغم من هذا، لم تتسبب أي شخصية لأخرى بالأذى الفعلي، وكأن الشخصيات كلها تملك حصانة نفسية تجعلها لا مبالية أو متقبلة لذاتها وللآخر. مقابل هذه العلاقات الموجودة في حلم أليس، نجد أنها حين عادت لواقعها أختها عاملتها بحب ولطف وعناية، ليظهر التناقض الغريب بين عالم الحلم (اللاوعي) وعالم الواقع.

الكلام غير المنطقي: تتسم الرواية بالجهد الذي يمكن أن يبذله القارئ حين يحاول فهم بعض الكلام او الأناشيد. الرواية عبارة عن حلم، وكأي حلم أحداثها وكلامها “مشفر” او غير منطقي. إيجاد التفسيرات والمعاني في الرواية امر مسلٍ، فهل نصدق قول أليس بأنه ليس بالضرورة لكل شيء معنى؟ أم نسمع كلام الدوقة التي تبحث بهوس عن المعنى لكن من الصعب إيجاد معنى لما تقوله؟

الشجاعة والإستمرار: من المثير للإعجاب شجاعة الصغيرة أليس، وخوضها لمغامرة متعبة وشيقة دون استسلام أو خوف. أليس تستطيع ان تعلمنا الصمود وعيش كل يوم بيومه، مع حب استطلاع وشغف. الماضي بالنسبة لأليس قد حصل، ولا فائدة من الإنغماس بأحداثه وعدم الخروج منها، كما لا فائدة من لوم وتذنيب الذات على ما حصل.

“قالت أليس بشيء من الخجل: “يمكنني أن أخبرك بمغامراتي… بدءا من هذا الصباح، لأنه لا فائدة من العودة للأمس، لأنني كنت وقتها شخصا آخر”.

الطفولة والخيال: نهاية الرواية تتحدث عن روعة عالم الخيال، الذي يمكن اللجوء إليه دائما عندما يكون الواقع جافا ومملا. الأخت الكبيرة تستعمل خيال أختها لتهرب من واقعها الممل ونهاية الرواية تكون معها.

وبينما كانت تنصت، أو يبدو أنها تنصت، دبت الحياة في جميع أنحاء المكان المحيط بها، بوجود المخلوقات الغريبة التي كانت في حلم أختها الصغيرة”.

“وهكذا جلست، مغلقة عينيها، وهي نصف مصدقة أنها في بلاد العجائب، على الرغم من معرفتها بأن كل ما عليها أن تفتحهما مرة أخرى، فيتحول كل شيء إلى واقع ممل…”

“وأخيرا، صورت لنفسها كيف أن هذه الأخت الصغيرة نفسها، ستكبر لاحقا وتصير امرأة، وكيف ستحتفظ طوال سنوات نضجها بالقلب البريء المحب الذي كان لها في طفولتها، وكيف ستجمع حولها أطفالا صغارا آخرين، وتحكي لهم الكثير من الحكايات الغريبة التي ستجعل عيونهم تلتمع بالتشوق، وربما استلهمت هذه الحكايات من حلم بلاد العجائب التي زارتها منذ زمن بعيد، وكيف ستتعاطف مع جميع أحزانهم البسيطة، وتجد السرور في جميع مباهجهم البسيطة، متذكرة حياتها في طفولتها، وأيام الصيف السعيدة.”

“أليس في بلاد العجائب” رواية شيقة تستحق القراءة أكثر من مرة، فهي برغم غرابتها تحفز التفكير وترسل القارئ في رحلة غريبة مليئة بالمشاعر والتساؤلات.

بسمة سعد

أخصائية نفسية علاجية

About Basma Saad

Clinical psychologist and artist

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

اضغط هنا لكي تتسجل للموقع وتحصل على المقالات الجديده مباشرةً لبريدك الالكتروني

انضمام 88 من المتابعين الآخرين

مرحباً

هنا في مدونتي الخاصة أكتب عن الصحة النفسية، ما يدعمها وما يعيقها. أحيانا أكتب من وجهة نظر مهنية، وفي أحيان أخرى أشارك في أفكار واراء شخصية. أعتبر مدونتي مساحتي الخاصة التي تمنحني كامل الحرية الفكرية. اسمي بسمة، وأنا أخصائية نفسية علاجية مع خبرة سنوات طويلة في التشخيص والعلاج النفسي. بالاضافة الى ذلك يشغل الفن والرسم حيزا كبيرا في عالمي النفسي والفكري، وأنا أرسم في الألوان المائية.
%d مدونون معجبون بهذه: