أنت تقرأ...
أنا ونفسي

الحب في علم النفس التحليلي: هل يستطيع الحب أن يستمر؟

يناقش ستيفن ميتشل -أحد أشهر المحللين النفسيين في القرن الواحد والعشرين- في كتابه “?Can love last” (هل يستطيع الحب أن يستمر؟) موضوع الحب الرومنسي، ويطرح السؤال الأهم على الإطلاق، والذي بحث فيه أعظم الفلاسفة والمفكرين على مر التاريخ.

يقول ميتشل أن الحب بطبعه مليء بالتلقائية وعدم الوضوح، وهي صفات نحملها بالفعل في أنفسنا ولدينا بعض القدرة على تحملها. لكن جزء آخر في أنفسنا يطلب منا الوضوح والثبات والقدرة على التنبؤ بما سوف يحصل، وهي الأمور التي يهددها الحب بتقلباته وعواصفه العاطفية. عندما نحب شخصا ما، نحن نعطيه فرصة التقرب منا ومعرفتنا أكثر من أي شخص آخر، وبتعلقنا فيه نحن نعرض أنفسنا للرفض والنبذ. بما أن عالمنا النفسي مبني على الوقاية من الخطر، فإننا في لحظات معينة من غريزة الحفاظ على الذات نسجل الحب على أنه خطر، ونحاول حماية أنفسنا منه عن طريق قتل حيويته وبريقه.

في نفس السياق، يقول ميتشل أنه من خلال مراقبتنا لأنفسنا في علاقاتنا العاطفية، نرى أننا نحاول بطريقة غير واعية إخراج عدم اليقين تماما من علاقتنا، مثلا حين نقول “أصبحنا نعرف بعض بشكل تام لدرجة أننا نفكر بنفس الشيء، ونحن نقول نفس الكلمة بالوقت ذاته”. في المقابل، أي لحظة طبيعية من عدم اليقين تخيفنا وتجعلنا نقفل الأبواب أمام الحب الذي لا يمكن السيطرة على  مسار أحداثه. فكرة ميتشل تتمحور حول أننا معظم الأحيان ننهي الحب بأنفسنا، نتيجة خوفنا، ونظن أن نهايته أسبابها لا تتعلق فينا. يقول ميتشل، أنه حين يشتكي الأزواج من زواجهم الميت الذي أصبح فارغا ورتيبا، على التحليل النفسي أن يساعدهم ليفهموا أن وضع زواجهم ما هو إلا حماية مقابل خوفهم من الألم والفقدان.

يتكلم ميتشل عن تعقيدات الحب وأعمق مكوناته حسب علم النفس التحليلي. مثلا، هو يتكلم عن مبدأ “التأليه” (Idealization)، ويقول أننا نرى في من نحب أجمل الصفات، وهي الصفات التي يغذيها خيالنا ونحتاجها فيه. فنحن نختار الشخص الذي يبدو مليء بالحياة، والشخص المتميز بحبه للإستقرار أو الشخص الذي يتميز بإهتمامه الكبير جدا بقضايا أخلاقية – لأننا نحتاج هذه الصفات في هذا الشخص. لكن ما لا نعلمه، أن الشخص المليء بالحياة ربما حيويته هي نوع من الحماية بسبب شعوره بالفراغ الداخلي، والشخص المحب للإستقرار يخبئ في داخله رغبة مكبوتة في عيش عدم الإستقرار، وربما الشخص المهتم جدا بقضايا أخلاقية يغطي ويكبت ميله لإنحرافات معينة. وهكذا نكون قد اخترنا تماما الشخص الذي لم نرد أن نختاره.

ستيفن ميتشل يتناول موضوع الحب بعمق، وكتابه لا يندرج تحت خانة كتب المساعدة الذاتية. من الجدير بالذكر أن ميتشل لا يعطي إجابة على السؤال الذي اختاره عنوانا لكتابه، فهو يترك مسؤولية الإجابة العميقة والمعقدة للقارئ. أعتقد أن ما حاول الكاتب أن يقوله، هو أن إستمرارية الحب تحتاج جهد ذاتي ورغبة في التطور والنضوج، مع إتخاذ قرارات واعية وقدرة على احتمال عدم اليقين- طبعا مع السعي للمستمر للوعي الذاتي.
كان هذا الكتاب الأخير لستيفن ميتشل الذي توفي بشكل فجائي بعمر ال- 54 سنة 2000. بعد كمية هائلة من الكتب الضخمة عن التحليل النفسي والعلاج النفسي، ترك لنا كتابا عن الموضوع الأهم الذي لن يكف عن إشغال أذهان البشر واستنفاذ طاقاتهم: الحب.

بسمة سعد
أخصائية نفسية

للمزيد من مقالات علم النفس إقرأوا باقي مواضيع المدونة وتابعوني في صفحة الفيسبوك.

About Basma Saad

Clinical psychologist and artist

مناقشة

3 آراء حول “الحب في علم النفس التحليلي: هل يستطيع الحب أن يستمر؟

  1. راااائعة
    يعني ان الحب نحن من يقرر استمراريته بغض النظر عن مشاعرنا بالبرود او الاندفاع

    إعجاب

    Posted by Sheree | 2016/02/26, 1:18 مساءً
  2. المؤسف أن الأمر في الحقيقة صعب ويحتاج جهدًا من الطرفين أو يمكن القول أن على الشريكين امتلاك موهبة الإدراك الخارق هذه. وأشيد بالنقطة التي نوّهتي عليها حول مبدأ التأليه، تستحق التأمل.

    إعجاب

    Posted by N.T.H | 2017/11/14, 10:41 صباحًا
  3. فعلًا أحسنتي ست

    إعجاب

    Posted by غير معروف | 2020/12/12, 4:14 مساءً

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

اضغط هنا لكي تتسجل للموقع وتحصل على المقالات الجديده مباشرةً لبريدك الالكتروني

انضمام 88 من المتابعين الآخرين

مرحباً

هنا في مدونتي الخاصة أكتب عن الصحة النفسية، ما يدعمها وما يعيقها. أحيانا أكتب من وجهة نظر مهنية، وفي أحيان أخرى أشارك في أفكار واراء شخصية. أعتبر مدونتي مساحتي الخاصة التي تمنحني كامل الحرية الفكرية. اسمي بسمة، وأنا أخصائية نفسية علاجية مع خبرة سنوات طويلة في التشخيص والعلاج النفسي. بالاضافة الى ذلك يشغل الفن والرسم حيزا كبيرا في عالمي النفسي والفكري، وأنا أرسم في الألوان المائية.
%d مدونون معجبون بهذه: