أنت تقرأ...
كتب وروايات, أنا ونفسي, اقتباسات وخواطر

الحرب والقلق

هل إندلاع الحروب هو المسبب للقلق البشري، أم أن القلق البشري هو المسبب في إندلاع الحروب؟
أشارككم بنص هام جدا وغاية في الروعة من سنة 1953 ، ويبدو دقيقا كما لو أنه كتب اليوم. النص للمحلل النفسي رولو ماي، من كتابه “البحث عن الذات”.

“إنه لمن الخطأ ان نعتقد أن الحروب المعاصرة، وصنوف الركود الإقتصادي، والتهديدات المتباينة، هي السبب الكلي الكامن وراء جل ما نعانيه من قلق. وذلك لأن قلقنا نفسه هو ما يتسبب بكل هذه المصائب. إن القلق المتفشي في أيامنا هذه وبما يمر به من عالمنا الآن من جوائح اقتصادية وسياسية متداركة إنما هي أعراض لنفس السبب الأساسي وهو التغييرات الصادمة (Traumatic changes) المؤذية السائدة في المجتمع الغربي الراهن. فالدكتاتورية الفاشية والدكتاتورية النازية مثلا، لا تحدث لمجرد أن شخصا كهتلر أو واحدا مثل موسوليني قرر ذلك واستحوذ على السلطة. الدكتاتورية تحدث عندما يكون ثمة شعب يقع فريسة لحاجات اقتصادية لا سند لها يدعمها، وحينما يكون -هذا الشعب- في الوقت ذاته خاويا من داخله نفسيا وروحيا. في هذه الحالة الدكتاتورية تبرز لتملأ الفراغ الناجم، ويبيع الناس حريتهم بحكم الضرورة ليتخلصوا مما يرزحون تحت وطأته من قلق لم يعودوا قادرين على احتماله.
إن ما هو منتشر من فوضى وارتباك يكشف عن هذا القلق على أوسع مقياس. وفي هذه الفترة من الحروب والتهديد بالحروب نحن نعرف أننا نعارض الإنتهاك الدكتاتوري لحريات الناس وكرامتهم. وعلى الرغم من أننا على يقين تام بقدراتنا العسكرية، نحن نقاتل قتالا دفاعيا. إننا بذلك أشبه بحيوان قوي في موقف حرج يضطر فيه الى الدفاع عن نفسه بضراوة، لكنه ليس متأكدا ما إذا كان عليه أن يقاتل في هذا الجانب أو ذاك، وما إذا كان عليه أن ينتظر أو يهجم. (صفحة 45-46).

عندما يعاني شخص ما قلقا مستمرا في فترة معينة من حياته، فإنه بذلك يعرض جسده إلى مرض نفسي – جسمي. وعندما تعاني جماعة معينة قلقا متواصلا، من غير أن تكون لديها خطوات بناءة متفق على اتخاذها، فإن أفراد تلك الجماعة عاجلا أم آجلا يأخذ بعضهم بخناق بعض، وعلى هذه الشاكلة تماما تكون الحال بالنسبة لنا كشعب. فحينما يكون شعبنا في حالة من الإرتباك والتشويش والحيرة، نكون قد عرضنا أنفسنا لسموم من أمثال الإقتتال الأخلاقي حسب النزعة المكارثية، ونبدد وقتنا في مطاردة السحرة، والضغوط المطبقة الشاملة في كل مكان، الأمر الذي يجعل الفرد يشك بجاره.
وبتحويل نظرتنا من المجتمع إلى الفرد، نرى أوضح الظواهر تعبيرا عن القلق متمثلا في تفشي الإضطرابات الإنفعالية النفسية، التي يتفق كل واحد بشأنها، من فرويد فصاعدا، على أن أسبابها متأصلة في القلق. وأن القلق هو الآخر يعد من الناحية النفسية القاسم المشترك للإضطرابات النفسية-الجسمية، كالقرحة مثلا، وكثير غيرها من أشكال اضطرابات القلب، وما شابه ذلك. القلق بالنسبة لنا يمثل الشكل الحديث للطاعون الأبيض، وهو أكبر مدمر لصحة الإنسان ورفاهته.
عندما نتحرى ما تحت السطح من قلقنا الفردي الذاتي نتبين أيضا أنه إنما يأتي من شيء هو أعمق من التهديد بالحرب وعدم الإستقرار الإقتصادي. إذ نكون قلقين لأننا لا نعرف أي الأدوار علينا أن نتبع، ولا بأي المبادئ في العمل علينا أن نعتقد وبأيها يمكن أن ننتفع. فقلقنا الفردي الذاتي، وهو إلى حد ما يماثل قلق الأمة، إنما هو قلق ناجم عن ارتباك أساسي وحيرة وعدم دراية إلى أين نحن متجهون. فهل يتوجب على الفرد أن يكافح تنافسيا ليصبح ناجحا اقتصاديا وثريا، كما كنا قد تعلمنا، أو يتعين على المرء أن يكون إنسانا طيبا محبوبا من الجميع؟ فالمرء لا يمكنه أن يكون كلا النموذجين في آن واحد. (صفحة 47-48).

اذا كان هناك من يعتقد بأن ثمة إجابات بسيطة تتوفر لهذه الأسئلة، فلا يكون قد فهم الأسئلة نفسها وما هو بمدرك لطبيعة هذا الزمن الذي نعيش فيه. هذا زمان كما عبر عنه هيرمان هيس (Herman Hesse) فيه حوصر جيل كامل بين عصرين، وبين نمطين من الحياة، وبالتالي فقد كل ما لديه من طاقة تعينه على فهم نفسه، وهو يفتقر إلى المعايير، ومن غير احساس بالأمن لم يعد لديه أدنى استعداد للإستجابة والإمتثال.
ولكن يستحسن أن نذكر أنفسنا بأن القلق يدل على الصراع، وطالما أن الصراع يبقى قائما، فإن حلا بناء يمكن التوصل إليه. وفي الحقيقة، إن إحباطاتنا الحاضرة بقدر ما هي مآسي فإنها بالوقت نفسه برهان واضح على إمكانات جديدة متجهة صوب المستقبل. إن ما هو ضروري لإستخدام القلق على نحو بناء هو، قبل كل شيء وبكل صراحة، أن نقر بما نحن فيه، وأن نواجه على المستويين الفردي والإجتماعي حالتنا الحاضرة المحفوفة بالمخاطر. (صفحة 48)”

للمزيد من مقالات علم النفس تابعوني في صفحة الفيسبوك.

بسمة

About Basma Saad

Clinical psychologist and artist

مناقشة

3 آراء حول “الحرب والقلق

  1. أفكار رائعة فعلا

    Liked by 1 person

    Posted by Elie | 2015/10/12, 12:16 مساءً
  2. رائع جداً جداً

    إعجاب

    Posted by Eli | 2016/08/02, 10:33 مساءً

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

اضغط هنا لكي تتسجل للموقع وتحصل على المقالات الجديده مباشرةً لبريدك الالكتروني

انضمام 88 من المتابعين الآخرين

مرحباً

هنا في مدونتي الخاصة أكتب عن الصحة النفسية، ما يدعمها وما يعيقها. أحيانا أكتب من وجهة نظر مهنية، وفي أحيان أخرى أشارك في أفكار واراء شخصية. أعتبر مدونتي مساحتي الخاصة التي تمنحني كامل الحرية الفكرية. اسمي بسمة، وأنا أخصائية نفسية علاجية مع خبرة سنوات طويلة في التشخيص والعلاج النفسي. بالاضافة الى ذلك يشغل الفن والرسم حيزا كبيرا في عالمي النفسي والفكري، وأنا أرسم في الألوان المائية.
%d مدونون معجبون بهذه: