أنت تقرأ...
مرحباً

حكاية بدون نهاية

يحكى أنه في منطقة بعيدة (لكن ربما أيضا قريبة) كانت موجودة في عصور غابرة (لكنها ربما لا زالت موجودة الى يومنا هذا)، كان (وربما لا زال) يعيش جاران بينهما عداوة عمرها أكبر من عمريهما…
الجار في المنطقة الغربية كان غنيا ويعيش في قصره المحاط بالأسيجة التي توفر له ولأبنائه الأمان. كان يحتاج هذه الأسيجة لأن جاره الذي يقطن المنطقة الشرقية كان عنيفا وحاقدا ولا يمكن توقّع أفعاله العدائية. لكن يبدو أن هذه الأسيجة كلها التي أمّنت له الأمان الواقعي لم تؤمّن له السلام الداخلي. فقد رأى كل ليلة بأحلامه جاره الغاضب واستيقظ مذعورا. ومن كل صوت حوله قفز منذهلا شاهرا سلاحه المتطور. كان متيقنا من كره وازدراء جاره له، وبالفعل جاره كان يكرهه ويتهمه بالكفر ويحقر وجوده الانساني.
الجار الغني امتلك مصنعا للأسلحة، الذي كان سبب ثروته. لكن لم يشتري من مصنعه جيرانه الأغنياء، لأن كل واحد فيهم امتلك مصنعا مماثلا وكان هناك تنافس كبير بينهم. زبائنه كانوا جيرانه الفقراء، الذين لم يكونوا عدوانيين تجاهه فقط، بل تجاه بعضعهم البعض. لم تزعجه عداوتهم بين بعضهم فقد كان هذا مربحا للتجارة، لكن أزعجه فقط جاره الذي ينغص عيشته لأبعد الحدود.
كان يؤمن لأبنائه ما يحتاجون ويجعلهم يشعرون أن لهم حق القرار والإختيار. عاش أولاده مع إحساس الحرية لكنهم رغم ذلك لم يكفوا عن انتقاده، لأن الحرية التي أمنها لهم معناها أيضا حرية تجاهه. فابنته التي أرسلها للجامعة كي تكون فخرا له، أصبحت تنتقده على تجارة الأسلحة وتتعاطف مع أوضاع الفقراء من حوله. وإبنه الذي رأى فيه “وليا للعهد” أنهى دراسة الطب وهو بسفر دائم كي يتطوع في منظمة طبية لحقوق الإنسان. لقد أغضبوه أولاده ووصفهم بالإجحاف لأنه رأى أنهم لم يكونوا سوف يصلون الى أفكارهم “المستنيرة” لولا المال من تجارة الأسلحة التي دفعها لجامعاتهم.
في يوم من الأيام حين كان يقود سيارته السوداء اللامعة عائدا إلى منزله، نظر من شباك سيارته ورأى أمرا أذهله…
جاره الذي يخافه كان يمشي في الحقول حاملا سلاحا متطورا من إنتاج مصنعه!
عاد إلى منزله مذهولا وأقفل الشبابيك وأمر بتطوير الأسيجة حول بيته، فهو الآن يعلم أي سلاح متطور ودقيق ومتقن الصنع يملك جاره، لأن هذا السلاح من إنتاج مصنعه.

في الجهة الشرقية من المكان عاش الجار الفقير مع عائلته الكبيرة في وضع مؤلم. فقد كان بالكاد يؤمن لجميعهم الغذاء وحياتهم كانت عبارة عن صراع مستمر للبقاء. كان رجلا حاقدا وعنيفا، على الحياة بشكل عام وعلى كل من يتنفس من حوله. لكنه كان كارها بشكل خاص لجاره الذي يقطن المنطقة الغربية. رأي الجار الفقير أن سبب مآسيه كلها هو جاره الغني الذي كان بالنسبة له كافرا وسارقا ومثيرا للغثيان. رأى الجار الفقير أن مهمته في الحياة هي أن يعيد العدل الى هذه الحياة، وذلك حسب أفكاره وإيمانه الذي كان واضحا وموحدا ولا شك فيه. لهذا السبب أزعجه إلحاح زوجته على تأمين المزيد من الغذاء وضايقته طلبات أطفاله بأن يؤمن لهم الكتب والقرطاسية. في الحقيقة هو لم يعطي لتعليم الأطفال في المدارس أهمية كبرى، ولم يبذل الكثير من الجهد كي يدعمهم ويطورهم هناك. الأهم بالنسبة له كان تحويل أطفاله لجنود يساندونه في صراعه. في ظل الفقر والجوع والمأساة لم يفكر بأمر سوى حسم صراعه مع جاره في الجهة الغربية، ومن أجل هذا كان مستعدا لدفع الثمن الكبير في إبقاء اطفاله جوعى كي يحافظ على موقع السلطة ويقتني اسلحة فتاكة.
لكن كانت هنالك عقبة كبيرة في طريقه. جيرانه الفقراء الذين ظن أنهم حلفاؤه ظهروا على حقيقتهم. فهم بالنسبة له كانوا خائنين وكل منهم يملك أجندة سرية خاصة به لتوسيع سيطرته- تماما كالأجندة خاصته، لكنه على الأقل يرى نفسه صاحب حق وتحق له السيادة عليهم. في وضعه آنذاك لم يكن يعلم من هو صديقه، ومن عدوه.
الأسوأ من هذا كله هو ابنه البكر الذي أصبح يظهر علامات التمرد. الآن أصبح كبيرا ضخم الجسد وهو لا يستطيع ضربه وقمعه كما كان يحصل عندما كان صغيرا. فقد تجرأ ابنه على الاعتراض على أفكاره وكان يرى أن “وقاحته” وصلت لدرجة أن يطلب منه ألا يضرب إخوته وأمه وإعطائهم “الحرية”. هو توقع من إبنه أن يفهم أن الإنضباط والإحترام والشرف هي مبادئ أهم بكثير من الحرية. كان يرى أن في ظل الظروف آنذاك أن العائلة تحتاج أن تبقى متكاتفة جدا، لهذا لا مكان للفرد فيها أمام الجماعة، ويمنع منعا باتا على الشخص أن يعيش من أجل نفسه بل فقط من أجل الجماعة- الجماعة التي يرأسها هو.

مع مرور الأيام وقع الجارين في ورطة. فقد أيقن الجار الذي يسكن المنطقة الغربية أنه كي يبقى غنيا عليه أن يستمر ببيع الأسلحة لجاره الذي يستعمل هذه الأسلحة لمهاجمته. وأيقن الجار الذي يقطن المنطقة الشرقية أنه كلما اشترى الأسلحة من جاره ساهم في زيادة قوته الإقتصادية ومرتبته الإجتماعية.

كيف سينتهي الصراع؟
هل حقا سينتهي الصراع؟

بسمة
للمزيد من مقالات علم النفس إقرأوا باقي مواضيع المدونة وتابعوني في صفحة الفيسبوك.

About Basma Saad

Clinical psychologist and artist

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

اضغط هنا لكي تتسجل للموقع وتحصل على المقالات الجديده مباشرةً لبريدك الالكتروني

انضمام 88 من المتابعين الآخرين

مرحباً

هنا في مدونتي الخاصة أكتب عن الصحة النفسية، ما يدعمها وما يعيقها. أحيانا أكتب من وجهة نظر مهنية، وفي أحيان أخرى أشارك في أفكار واراء شخصية. أعتبر مدونتي مساحتي الخاصة التي تمنحني كامل الحرية الفكرية. اسمي بسمة، وأنا أخصائية نفسية علاجية مع خبرة سنوات طويلة في التشخيص والعلاج النفسي. بالاضافة الى ذلك يشغل الفن والرسم حيزا كبيرا في عالمي النفسي والفكري، وأنا أرسم في الألوان المائية.
%d مدونون معجبون بهذه: