أنت تقرأ...
كتب وروايات

مراجعة لرواية “بيروت 75” لغادة السمان

“بيروت 75” هي رواية غادة السمان الحاصلة على جائزة فولبرايت، التي تركت صدى كبيرا لمدى صراحتها وشجاعتها الصادمة.
الرواية تحمل بين صفحاتها قصة شقاء وأحلام، وواقع مر يخنق هذه الأحلام. بأسلوبها الرائع تسرد غادة ما يدور في أعماق الأبطال، بحساسية وانسانية، لتجعلك تشعر ألمهم وتعيش مأساتهم وتحلم أحلامهم.  تبدأ الرواية بلقاء شخصياتها في سيارة أجرة منطلقة الى بيروت. “فرح” و”ياسمينة” و”طعان” و”أبو الملا” و”أبو مصطفى” (لاحقا ينضم لشخصيات الرواية ابنه مصطفى) ينطلقون معا الى بيروت، لكن أحدا منهم لا يكلم الآخر. في تلك اللحظة حمل كل منهم في داخله قصة شقاء مؤلمة، يرافقها أحلامه وأمله بأن تعطيه بيروت حياة أفضل.

بيروت، مدينة الجمال والجنون، تستقبل القادمين اليها بواقع صادم، يفقدهم سريعا جدا سذاجتهم. فرح وياسمينة يرتعبان من أصوات الانفجارات، التي تذكرهم بحرب 1973-1974 وتعيد اليهم صورا قاتمة للموت والدمار. لكن ما يستغربه كلاهما أن لا أحد من البشر حولهم يهتز من تلك الأصوات (بعكس قرد الاستعراض)، وتبقى الحياة حولهم عادية الى حد اللامبالاة والجنون.

رواية “بيروت 75” عمرها 40 عاما، وهي تمثل المأساة الحقيقية لمجتمع فقد ضوابطه الأخلاقية. غادة السمان لا تصف فقط “وعي” الشخصيات، بل تصف بطريقة رائعة لا-وعيهم عن طريق هلوساتهم التي تصفها بعناية لدرجة انها تظهر كنوع من ادخال الخيال الى الرواية. بالاضافة الى ذلك، غادة السمان تصف كل شخصية من الشخصيات الأساسية كمزيج مركب ومعقد من المشاعر والرغبات والحسنات والسيئات، لهذا لا يمكن حب أي شخصية فيهم بشكل مطلق ولا يمكن كرهها بشكل مطلق أيضا. أرى وصف غادة لشخصياتها بهذه الطريقة الناضجة والواقعية قدرة مميزة استطاعت من خلالها تقديم رؤية حقيقية للنفس البشرية.

من المواضيع التي تضعها الرواية تحت المجهر:
1. الفقر وصراع البقاء مقابل نظام طبقي فاسد يستغل به الأغنياء فقراء المدينة لتلبية حاجاتهم الغريزية: تناقش الرواية الثمن الأخلاقي الذي يدفع مقابل التغلب على الفقر، مما يضع الأبطال أمام اختيار صعب: “هل أهرب بذاتي وأعود فقيرا جائعا أم استمر ببيع أخلاقي مقابل حياة تسلبني ذاتي لكن تلبي احتياجاتي؟”. من الجدير بالذكر أن لا أحد من أبطال الرواية (الفقراء) ينجح بالقيام بالخيار الثاني، وهو الخيار الذي ينجحون بالقيام به اغنياء المدينة، مما يضع تحت التساؤل مبدأ العدالة الاجتماعية ويطرح مسالة “هل من عاش الشقاء يوما يستطيع أن يبيع ضميره وأخلاقه بذات السهولة التي يبيعها من ولد لعائلة غنية؟”.
2. المرأة العربية والجنس: توظف غادة السمان الأوصاف الجنسية في الرواية لهدف درامي يضيف عمقا لأحداث الرواية. هذه الأوصاف (القليلة نسبيا) لا تخدم سياقا رومانسيا، بل تخدم الفكرة. تطرح الكاتبة من خلال الأحداث مسألة الكبت الجنسي الذي ترى أن النساء العربيات تعاني منه منذ عصور، وتشير الى تأثيراته الأخلاقية والانسانية. ياسمينة التي عانت من الكبت، تدمن الجنس مع حبيبها الغني، وتتسائل الكاتبة اذا كان السماح للمرأة الشابة بعلاقات شرعية وسوية داخل مجتمعها هو أمر يحميها لاحقا من السقوط في هاوية ادمان العلاقات الجنسية والارتباط بحبيب سيء فقط لإشباع الرغبة الجنسية. بالاضافة الى ذلك، تناقش غادة السمان في بعض المواقف في الرواية النظرة الذكورية المنافقة لقضية شرف المرأة، التي تصفها على انها تتغير وفق المصالح والمواقف.
3. الرجل العربي كضحية للإستغلال الجنسي: فرح الذي يسعى للهروب من شقاءه يقع ضحية قريبه الغني الذي يستغله جنسيا ويدمر رجولته. فرح يفقد ذاته ويصاب بالهلوسات ويدفع ثمنا بالغا في اظهار عوارض نفسية لرجل عانى من الاغتصاب والاستغلال الجنسي.

مراجعة رواية "بيروت 75" لغادة السمان

مراجعة رواية “بيروت 75” لغادة السمان

4. الأمل مقابل الموت، والسذاجة مقابل النضوج، والشاعرية مقابل الواقعية. هذه الأمور تجسدها شخصية الشاب مصطفى. من الجدير بالذكر أن مصطفى هو الشخصية الوحيدة التي لم تفقد ادراكها وبوصلتها الأخلاقية بشكل تام، وهي الشخصية الوحيدة التي تركت لها غادة السمان نهاية غير محتومة. وهنا أتسائل، هل بهذا تعبر غادة السمان عن أملها بأن ينجح الشباب في اعادة الفكر الاخلاقي في اللمستقبل؟

مراجعة رواية "بيروت 75" لغادة السمان

مراجعة رواية “بيروت 75” لغادة السمان

 

5. العادات والتقاليد الظالمة مقابل التطور الذاتي الفردي، وتطلبات المجموعة مقابل الرغبات الفردية: طعان كان شابا طموحا عاد لبلاده مع أحلامه بعد دراسة الصيدلة، ليجد نفسه ضحية قضية ثأر. هو يمثل التطور والحرية، الذين لا حول ولا قوة لهم أمام ضغط المجتمع الذي يتمسك بعاداته وتقاليده. طعان أراد أن يكون شخصا مستقلا ومنفردا، لكنه عاد لمجتمع تكتلي يحاسب فيه الفرد حسب انتماءه للجماعة.
6. الوالدية وحب الأبناء في ظل الفقر المدقع: أبو مصطفى وأبو الملا هما والدان يقومان ب”أذية” اولادهم في ظل صراع البقاء للعائلة. يعبر كلاهما عن عمق الألم جراء فعل ذلك، ويصفان حرقة القلب من اضطرارهم بشكل ما للتضحية بأولادهم.

أعتقد أن الرواية رائعة بكل معانيها، وهي تترك القارئ مع تساؤلات جمة لا بد أن تصل للوعي والادراك. شعرت أن غادة السمان قريبة بكتاباتها الى الفلسفة العبثية، وقد تركتني روايتها مع احساس مشابه لما تركته عندي رواية “الغريب” لألبير كامو.

رابط لتحميل الرواية: https://db.tt/b9omOzgN

بسمة

About Basma Saad

Clinical psychologist and artist

مناقشة

لا توجد تعليقات حتى الأن.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

اضغط هنا لكي تتسجل للموقع وتحصل على المقالات الجديده مباشرةً لبريدك الالكتروني

انضمام 88 من المتابعين الآخرين

مرحباً

هنا في مدونتي الخاصة أكتب عن الصحة النفسية، ما يدعمها وما يعيقها. أحيانا أكتب من وجهة نظر مهنية، وفي أحيان أخرى أشارك في أفكار واراء شخصية. أعتبر مدونتي مساحتي الخاصة التي تمنحني كامل الحرية الفكرية. اسمي بسمة، وأنا أخصائية نفسية علاجية مع خبرة سنوات طويلة في التشخيص والعلاج النفسي. بالاضافة الى ذلك يشغل الفن والرسم حيزا كبيرا في عالمي النفسي والفكري، وأنا أرسم في الألوان المائية.
%d مدونون معجبون بهذه: