أنت تقرأ...
أنا ونفسي

الغيبيات والماورائيات والمنطق

تملأ حياة الانسان افكارا مصدرها عالم الغيب. تلك الافكار قد تختلف من ثقافة لأخری، لكنها تصب جميعا في بحر الماورائيات الذي يصنفه العلم علی انه خرافة بعيدة عن المنطق، وتصنفه الفلسفة وعلم النفس علی انه نتيجة لحاجة نفسية ملحة لدی البشرية.

بعض افكار الغيبيات هي العين والحسد والمس بالجن. أما العلم الحديث فيصنف ايضا الاديان كافتها علی انها غيبيات.

اي حاجة لدی الانسان يملأ عالم الغيبيات؟
الانسان يعيش في عالم كبير يواجهه يوميا بمدی ضعفه وبأنه لا حول له ولا قوة امام واقع صعب ومتطلب. أحيانا يواجه الانسان ظروفا صعبة لا سيطرة له عليها وهو يحتاج ان يعطيها تفسيرا وأن يمتلك سببا لحدوثها. ومن هنا يقنع نفسه أن ما ليس بسيطرته هو قطعا بسيطرة قوی خفية خارقة، طيبة أو شريرة. حين يحرر الانسان نفسه من السيطرة، فهو يحررها ايضا من المسؤولية، وبالتالي تبقی الواقعة بكل ما فيها خارجه ولا تتبع له. اذا فاحدی حاجات الانسان التي تدعوه للتشبث بعالم الغيب هي تحرير نفسه من مسؤوليته في عالم الواقع.
سبب اخر قد يجعل الانسان متشبثا في عالم الغيب هو حاجته لتفريع مشاعر الغضب والعنف وخيبة الامل من ظروف سيئة وقاسية يعيشها. مثلا يمكن للمرأة ان تفسر فشل زواج ابنتها علی انه حسد وعين مصدره جارتها، وبالتالي فهي توجه المسؤولية نحو جارتها وتفرغ مشاعر الغضب عليها.
اما بالنسبة للاديان، فتری بعض اتجاهات علم النفس الاديان علی انها وسيلة غيبية تساعد الانسان علی احتمال واقعه، خصوصا واقع الموت والفقدان. لذلك، كي يحتمل الانسان الم فقدانه لشخص عزيز فهو يعزي نفسه بلقاءه في الحياة ما بعد الموت. وكي يخفف عن نفسه هول فكرة موته، فهو يؤمن باستمرار حياته ما بعد الموت. تفسر بعض اتجاهات علم النفس حاجة الانسان للدين بطرق متشعبة وعديدة، وتری انها منظومة معقدة هدفها تخفيف مرارة الواقع، لكن بالمقابل تقف عائقا امام النضوج.

هل من الممكن ان ينجح الانسان بأن يعيش من دون عالم الغيبيات ملتزما بالمنطق فقط؟
يری علم النفس انه بالامكان قطعا العيش بدون افكار عالم الغيب، وذلك بعد استبدالها بالمنطق والنضوج وقدرة احتمال الواقع. لكنه في المقابل يری ان البشر لن تتخلی قريبا وربما ابدا عن عالم الغيبيات، خصوصا لاهميته وللمساعدة التي يقدمها في تلك البقاع في الارض التي يسود فيها الظلم والحرب والموت، واي محاولة لادخال المنطق سوف تقابل بالرفض والاستنكار. لهذا السبب، اری كإخصائية نفسية انه يتوجب النظر لحاجة الانسان للغيبيات بعين الاحترام والتواضع، لكن من الضروري القاء الضوء علی الحالات التي يستعمل فيها بعض البشر هذه الافكار للتسبب بالاذی والتحرر من المسؤولية او لاكتساب السيطرة. 

يبقی الصراع بين العلم والغيبيات قائما، ويبقی الاختيار بينهما قرارا شخصيا داخليا وعميقا يلزمنا باحترام حرية الرأي والفكر. فهل نحن كمجتمع قادرين علی ذلك؟

بسمة
متخصصة في علم النفس العلاجي

About Basma Saad

Clinical psychologist and artist

مناقشة

رأي واحد حول “الغيبيات والماورائيات والمنطق

  1. جزاكم الله خيرا و احسن الجزء

    إعجاب

    Posted by نور عبدالله | 2021/04/16, 1:16 مساءً

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

اضغط هنا لكي تتسجل للموقع وتحصل على المقالات الجديده مباشرةً لبريدك الالكتروني

انضمام 88 من المتابعين الآخرين

مرحباً

هنا في مدونتي الخاصة أكتب عن الصحة النفسية، ما يدعمها وما يعيقها. أحيانا أكتب من وجهة نظر مهنية، وفي أحيان أخرى أشارك في أفكار واراء شخصية. أعتبر مدونتي مساحتي الخاصة التي تمنحني كامل الحرية الفكرية. اسمي بسمة، وأنا أخصائية نفسية علاجية مع خبرة سنوات طويلة في التشخيص والعلاج النفسي. بالاضافة الى ذلك يشغل الفن والرسم حيزا كبيرا في عالمي النفسي والفكري، وأنا أرسم في الألوان المائية.
%d مدونون معجبون بهذه: